كندا تعزّز إنفاقها الدّفاعي بـ3 مليارات دولار وتوسّع حضورها داخل حلف شمال الأطلسي
تدخل كندا مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي، مع إعلان استثمارات تتجاوز ثلاثة مليارات دولار في البنية التحتية العسكرية، في خطوة تعكس انتقالًا من الالتزام الدفاعي التقليدي إلى مقاربة أكثر اتساعًا تربط بين الأمن القومي والاقتصاد والصناعة. ولا يمكن قراءة هذا التحول كقرار مالي معزول، بل كجزء من دينامية غربية أوسع تتجه نحو رفع الجاهزية العسكرية في ظل بيئة دولية متوترة ومتغيرة.
الإعلان الذي قدّمه رئيس الوزراء مارك كارني من ميناء هاليفاكس، لم يقتصر على الأرقام، بل حمل دلالات سياسية واضحة بشأن موقع كندا داخل حلف شمال الأطلسي، خاصة مع تأكيد بلوغ مستوى إنفاق يعادل اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الحد الذي ظل معيارًا لسنوات داخل الحلف. كما يعكس اختيار منصة بحرية للإعلان إدراكًا متزايدًا لأهمية السواحل الأطلسية في الحسابات الدفاعية، في ظل تصاعد التحديات الأمنية في المجال البحري.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء، بحسب ما أوردته وكالة الصحافة الكندية: “هذا هو أعلى مستوى من الإنفاق الدفاعي مقارنة بحجم اقتصادنا منذ سقوط جدار برلين.” ويضع هذا التوصيف القرار في سياق تاريخي، مشيرًا إلى تحول واضح في توجهات الإنفاق العسكري بعد سنوات من الحذر النسبي.

استثمارات عسكرية تعيد توزيع القدرات شرقًا
عمليًا، تتوزع هذه الاستثمارات على مشاريع نوعية في شرق البلاد، تشمل تحديث القاعدة البحرية في هاليفاكس، وتوسيع مرافق الطيران العسكري، وإنشاء مراكز تدريب قتالي متقدمة، إلى جانب تعزيز قدرات قاعدة “غاجتاون” في مقاطعة نيو برونزويك بأنظمة دفاع جوي أرضي حديثة. وتعكس هذه المشاريع توجهًا لإعادة هيكلة القدرات العسكرية ميدانيًا، بما يعزز الجاهزية العملياتية ويعيد توزيع الثقل الدفاعي وفق أولويات جديدة.
وفي امتداد لهذا التوجه، شدد رئيس الوزراء، وفق المصدر نفسه، على أن: “نحن في البداية فقط… في هذا القرن، الدفاع عن كندا هو أيضًا بناء كندا.” ويبرز هذا الطرح تحولًا في الخطاب السياسي، حيث يُقدَّم الإنفاق الدفاعي كأداة تنموية تدعم البنية التحتية وتحفّز الصناعات المرتبطة بالقطاع العسكري، بدل أن يظل محصورًا في إطاره الأمني التقليدي.
غير أن هذا التحول الداخلي يتقاطع مع سياق أطلسي أوسع، إذ تشهد دول أوروبا وكندا ارتفاعًا ملحوظًا في إنفاقها الدفاعي، مدفوعًا بتصاعد النزاعات الدولية وتزايد الشعور بعدم الاستقرار. وفي هذا الإطار، يتجه الحلف إلى رفع سقف التوقعات من أعضائه بشكل تدريجي.
وفي هذا السياق، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، بحسب ما نقلته وكالة رويترز: “أتوقع أن يُظهر الحلفاء في القمة المقبلة مسارًا واضحًا وموثوقًا نحو هدف خمسة في المئة.” ويعكس هذا التصريح انتقال النقاش من الالتزام بالحد الأدنى إلى السعي نحو مستويات أعلى من الإنفاق الدفاعي، بما يتماشى مع طبيعة التحديات الراهنة.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد الضغوط السياسية، خاصة من الجانب الأمريكي، حيث يواصل دونالد ترامب انتقاداته للحلفاء، مطالبًا بتحمل مسؤوليات أكبر في إطار الدفاع المشترك، وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا إلى قرارات الإنفاق العسكري في كندا، ويدفعها إلى الموازنة بين التزاماتها الدولية واعتباراتها الداخلية.

تحرك كندي لتأسيس بنك دفاعي دولي
ولا يقتصر التحرك الكندي على زيادة الإنفاق، بل يمتد إلى محاولة إعادة صياغة آليات تمويل القطاع الدفاعي على المستوى الدولي. ففي خطوة تعكس طموحًا يتجاوز الإطار الوطني، تطرح أوتاوا مبادرة لإنشاء بنك دفاعي دولي بالتعاون مع دول مجموعة السبع، في محاولة لمعالجة التحديات التمويلية التي تواجه الصناعات العسكرية.
وفي هذا الإطار، أوضحت وزيرة الخارجية أنيتا أناند، وفق ما أوردته وكالة رويترز: “كندا تدعو المزيد من الدول للانضمام، وسأطرح هذا الطرح خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع.” وتستهدف هذه المبادرة بشكل خاص الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع الدفاع، التي تعاني من صعوبات في الوصول إلى التمويل رغم تزايد الطلب على منتجاتها.
كما أشارت إلى أن “هذا البنك سيكون آلية لتجميع رأس المال، خصوصًا لهذه الشركات”، في إشارة إلى سعي كندا لتطوير أدوات مالية تدعم سلاسل الإنتاج الدفاعي وتعزز قدرتها على الاستجابة للطلب المتنامي.
ومن زاوية أخرى، تستند هذه المقاربة إلى دروس مستخلصة من الحرب في أوكرانيا، التي كشفت عن فجوات واضحة في سلاسل الإمداد العسكري، والحاجة إلى تسريع الإنتاج وتعزيز التنسيق بين الحلفاء.
وفي هذا السياق، لفتت وزيرة الخارجية إلى أن “هناك حاجة إلى قابلية التشغيل البيني، وإلى التوسع السريع في الإنتاج والتوريد العسكري”، وهو ما يعكس تحولًا في فهم طبيعة القوة العسكرية، التي لم تعد تقاس فقط بحجم القوات، بل بمدى كفاءة المنظومات الصناعية واللوجستية الداعمة لها.
تكشف هذه التحركات عن إعادة تشكيل تدريجية للعقيدة الدفاعية الكندية، تنتقل فيها البلاد من موقع الالتزام إلى موقع الفاعلية داخل المنظومة الغربية. وبين إنفاق متصاعد، واستثمارات ميدانية، ومبادرات تمويلية دولية، ترسم أوتاوا ملامح دور جديد يسعى إلى الجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه التحديات العالمية وتتعقد فيه معادلات الأمن الدولي.




