أفــريقيا والساحـل

معسكرٌ للدعم السريع في إثيوبيا: أبعادٌ إقليمية جديدة تعقّد مسار حرب السودان

تتكشف فصول حرب السودان يومًا بعد يوم، فيما تدخل المواجهات مرحلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا إقليميًا، خصوصًا بعد أن حقق الجيش السوداني سلسلة انتصارات متوالية، لا سيما في غرب البلاد. ومع هذا التحول الميداني، برزت مؤشرات متزايدة على تورّط أطراف خارجية في تأجيج الصراع، بما أدى إلى تفاقم موجات النزوح، واتساع رقعة القتال، وتعميق المأساة الإنسانية في معسكرات اللجوء التي توصف أوضاعها بالكارثية.

وفي قلب الاتهامات، يتكرر اسم الإمارات، التي تتهمها الخرطوم بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات طُرحت مرارًا في جلسات مجلس الأمن الدولي، فيما تواصل أبو ظبي نفيها القاطع لتلك المزاعم.

معسكر سري في إثيوبيا… تحول نوعي في مسار الحرب

كشف تقرير لوكالة “رويترز” عن معسكر سري في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع، في خطوة قد تمثل منعطفًا خطيرًا في مسار الصراع.

وفي تعليقه على ما ورد في التقرير، قال هاني الجمل، نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، في حديثه لـ “هنا كندا”، إن المعسكر المقام في إثيوبيا “يمثل تحولًا نوعيًا في الصراع السوداني”، مشيرًا إلى أن هذه المعسكرات حديثة الإنشاء، ويرجّح أنها بدأت نشاطها في أكتوبر الماضي، وتحظى بدعم واسع.

وأوضح الجمل أن هذا الدعم يشمل إمدادات لوجستية متطورة، من بينها مركبات دفع رباعي، وأنواع متقدمة من الأسلحة، فضلًا عن انخراط شركات عابرة للحدود ذات سمعة في مجال تجارة السلاح. وأضاف أن هذه المعسكرات لا تؤثر فقط على موازين القوى داخل السودان، بل تمتد تداعياتها إلى دول البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تأثيرات مباشرة على حركة التجارة الدولية والعلاقات الإقليمية بين دول الجوار.

وأكد الجمل أن تقريرًا موثقًا من “رويترز” يشير إلى استقبال نحو خمسة آلاف مقاتل داخل إثيوبيا، يتلقون تدريبات على أيدي قوات إثيوبية، موضحًا أن طبيعة هؤلاء المقاتلين قد ترتبط بعناصر من الجبهة الشعبية لتحرير السودان. ولفت إلى أن الهدف المحتمل من هذا المعسكر هو دعم الجبهة الشرقية لقوات الدعم السريع لتخفيف الضغط بعد التقدم الذي أحرزه الجيش السوداني في الغرب.

وأضاف أن ما يجري يعكس دعمًا إقليميًا من بعض الدول، سواء من الخليج أو إسرائيل، بالتعاون مع إثيوبيا، بهدف إبقاء الصراع مشتعلًا في السودان.

تُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 22 يناير/كانون الثاني 2026 معسكرًا يضم مئات الخيام ومنطقة إلى الشمال تتحرك فيها الشاحنات ذهابًا وإيابًا في بني شنقول-قمز، إثيوبيا – الصورة لـ فانتــور عبر رويترز

هل يتغير موقف المجتمع الدولي؟

من جانبه، قال المحلل السياسي والمختص في الشأن الإفريقي محمد تورشين، في حديثه لـ “هنا كندا”، إن تقارير عديدة أثبتت تورّط الإمارات في حرب السودان، مشيرًا إلى أن ما تكشف في إثيوبيا لا يتوقع أن يغيّر المواقف الدولية بصورة جوهرية.

وأوضح تورشين أن الإمارات وفّرت دعمًا واسعًا لقوات الدعم السريع، عبر مسارات متعددة، من بينها تشاد وليبيا، مضيفًا أن أبو ظبي، خلال السنوات الماضية، نجحت في ترسيخ نفوذها داخل دوائر القرار الدولية، ما جعلها “أحد الأذرع المؤثرة في تنفيذ العديد من الأجندات”.

وأشار إلى أن الاستثمارات الإماراتية الضخمة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منحتها وزنًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا، يعزز موقعها في المشهد الدولي. وأضاف: “الإمارات تتمتع بمكانة خاصة لدى المجتمع الدولي، ولا أعتقد أن نفوذها سيجعل المجتمع الدولي يعيد النظر في التعامل معها، وستظل خارج نطاق المحاسبة نتيجة تواطؤ عدد من الدول، لا سيما إسرائيل”.

الإمارات في مرمى التقارير الدولية

ورغم النفي الإماراتي المتكرر لأي ضلوع في الحرب، تتوالى التقارير الدولية التي تشير إلى عكس ذلك. فقد ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في تقرير سابق أن الإمارات تدير عمليات سرية لدعم قوات الدعم السريع، بما في ذلك تزويدها بأسلحة نوعية وطائرات مسيّرة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين وأفارقة أن الإمارات ساهمت في “معالجة المقاتلين المصابين” من قوات الدعم السريع، ونقل الحالات الحرجة عبر طائرات إلى مستشفى عسكري إماراتي، مشيرة إلى أن هذه العمليات جرت في بلدة أمدجراس التشادية.

أدلة رويترز… صور أقمار صناعية ومذكرات أمنية

توصل تحقيق “رويترز” إلى أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب مقاتلي الدعم السريع، في أول دليل مباشر على انخراط أديس أبابا في الحرب الأهلية السودانية، وهو ما قد يمثل تطورًا بالغ الخطورة مع تصاعد القتال في جنوب السودان.

وذكرت مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي رفيع، أن الإمارات هي الممول الأساسي لبناء المعسكر، وقدمت مدربين عسكريين ودعمًا لوجستيًا، وهو ما ورد كذلك في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما “رويترز”. غير أن الوكالة أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من مشاركة الإمارات أو من الغرض الأساسي للمعسكر.

وتحدثت “رويترزط إلى 15 مصدرًا مطلعًا على إنشاء المعسكر وتشغيله، بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، كما حللت صور أقمار صناعية أظهرت توسعًا ملحوظًا في الموقع خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب إنشاء مركز تحكم أرضي للطائرات المسيّرة في مطار قريب.

وتشير الصور إلى أن النشاط تصاعد في أكتوبر الماضي في المعسكر الواقع بمنطقة بني شنقول-قمز غرب إثيوبيا، قرب الحدود السودانية.

مطار أصوصا… قاعدة للطائرات المسيّرة؟

وفي سياق متصل، شهد مطار أصوصا، الذي يبعد نحو 53 كيلومترًا عن المعسكر، أعمال بناء جديدة منذ أغسطس (آب) 2025. وتظهر صور الأقمار الصناعية وجود طائرات جديدة ومناطق ممهدة قرب المدرج.

ووفق مراجعة خاصة لـ “رويترز”، فإن البنية التحتية الظاهرة تشبه تجهيزات قواعد أخرى للطائرات المسيّرة في إثيوبيا. وقال مسؤول حكومي إثيوبي رفيع ومسؤول عسكري كبير إن الجيش الإثيوبي يعتزم تحويل المطار إلى مركز عمليات للطائرات المسيّرة، إلى جانب خمسة مراكز أخرى على الأقل في أنحاء البلاد.

وأشار مصدر دبلوماسي إلى أن تطوير المطار يأتي ضمن خطة أوسع لتحويل القواعد الجوية نحو الغرب، لمواجهة تهديدات محتملة على الحدود مع السودان، ولحماية بنى تحتية استراتيجية مثل سد النهضة.

تعكس صورة دقلو في مايو 2022 وهو يقدم التعازي للشيخ محمد بن زايد مستوى العلاقات الوثيقة بينه وبين الإمارات. هذه الروابط قبل اندلاع المواجهات المسلحة لاحقًا تظهر نفوذه الإقليمي وقدرته على التحرك دوليًا – الصورة لـ وزارة شؤون الرئاسة الإماراتية | وكالة أسوشييتد برس عبر وورلد بوليتيكس ريفيو

بيان مشترك ونفي إماراتي

ولم يصدر تعليق رسمي مفصل من الحكومة أو الجيش الإثيوبي أو قوات الدعم السريع على نتائج التقرير. وفي السادس من يناير الماضي، أصدرت الإمارات وإثيوبيا بيانًا مشتركًا دعتا فيه إلى وقف إطلاق النار في السودان، وأكدتا متانة علاقاتهما الدفاعية.

من جهتها، نفت وزارة الخارجية الإماراتية، عبر متحدثها الرسمي، الاتهامات السودانية وبعض المزاعم الدولية بشأن دعم أي نشاط عسكري في السودان، ووصفتها بأنها «ادعاءات لا أساس لها من الصحة»، وفق ما نقل موقع “بلومبيرغ”.

وأكد المتحدث أن الإمارات تسعى إلى تعزيز نفوذها في إفريقيا عبر استثمارات بملايين الدولارات في قطاعات الطاقة والخدمات والتكنولوجيا والعقارات.

بين التمدد الإقليمي والانفجار المحتمل

تكشف هذه المعطيات أن حرب السودان لم تعد صراعًا داخليًا فحسب، بل باتت ساحة تجاذب إقليمي ودولي تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. ومع كل معسكر جديد، وكل شحنة سلاح، وكل مركز طائرات مسيّرة، تتسع رقعة النار.

وفي ظل هذا التشابك الإقليمي، أصبح المجتمع الدولي غير قادر على التفرج على إعادة رسم خرائط النفوذ فوق أنقاض الدولة السودانية، إذ تؤكد المعطيات أن تصاعد الأدلة سيُجبره على إعادة تموضعه.

ما هو مؤكد أن استقرار السودان لم يعد شأنًا محليًا، وأن أي انهيار أمني إضافي سيترك ارتداداته الثقيلة على دول الجوار والبحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك بكثير.

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل