بين كاسكيديا ومشرُوع الازدهار: أَيُّ مستقبلٍ للفكر الانفصاليّ في بريتيش كولومبيا؟
تعيش بريتيش كولومبيا اليوم حالةً مركّبة من التوتر السياسي والاقتصادي، تتقاطع فيها مشاعر الهوية الإقليمية القوية مع نزعات متزايدة نحو تبنّي سياسات أكثر استقلالية عن الحكومة الفيدرالية في أوتاوا. وفي ظل تعثّر مشاريع الموارد، وتفاقم الضغوط الاقتصادية، وتصاعد الخلافات مع المركز، بدأت تطفو على السطح تيارات انفصالية جديدة، تختلف في منطلقاتها وأهدافها عن الحركات السابقة، ولا سيما تلك المرتبطة بفكرة “كاسكيديا” التي انطلقت أساسًا من اعتبارات بيئية وثقافية مشتركة في شمال غرب أمريكا الشمالية.
في المقابل، يواجه ما يُعرف بـ “مشروع الازدهار” في بريتيش كولومبيا عقبات قانونية وسياسية واقتصادية جسيمة، في وقت لا يزال فيه مفهوم كاسكيديا حاضرًا كإطار فكري متماسك يعكس الهوية الإقليمية للمقاطعة. هذا التوازي يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية خيار الانفصال، أو إمكانية الدفع نحو مستويات أوسع من الحكم الذاتي في المستقبل المنظور.
كاسكيديا: جذور تاريخية ورؤية بيئية
في عام 2017، برز كوري بال كمرشح لحزب كاسكيديا في بريتيش كولومبيا، وهو حزب كان من بين أهدافه المعلنة إنشاء هيئة برلمانية إقليمية تُعزّز ما اعتبره “الحقوق السيادية” لسكان الإقليم المنتمين إلى فضاء كاسكيديا. ويشير مفهوم كاسكيديا إلى تقارب جغرافي وثقافي بين بريتيش كولومبيا وبعض ولايات شمال غرب المحيط الهادئ، وهو تصور تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر وما قبله، وقد طُرح أحيانًا كفكرة لتأسيس كيان سياسي مستقل. غير أن بال شدّد آنذاك على أن الحزب لم يدعُ إلى إنشاء دولة كاسكيدية تضم المقاطعة.
ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة الصحافة الكندية، أقرّ بال بأن نقاشات الانفصال كانت مطروحة، لكنه رفض الانخراط في أي موجة انفصالية جديدة، واصفًا إياها بأنها مدفوعة بمشاعر عداء للحكومة الفيدرالية، وبالإحباط من السياسة التقليدية، وبالتأثر بحركات مشابهة في ألبرتا وساسكاتشوان. وأوضح أن حركة كاسكيديا نشأت من منظور مختلف كليًا، مضيفًا أن الهدف الحقيقي كان تسليط الضوء على القضايا البيئية والتوسع الصناعي في بريتيش كولومبيا وشمال غرب المحيط الهادئ، محذرًا من أن الانفصالية الراهنة لا تشبه بأي شكل النقاشات السابقة حول كاسكيديا أو الانفصال المحتمل عن كندا.

مشروع الازدهار: انفصالية جديدة بخطاب اقتصادي
بالتوازي، ظهرت حركة جديدة تُعرف باسم “مشروع الازدهار في بريتيش كولومبيا” انطلاقًا من جزيرة فانكوفر، حيث يقيم كوري بال نفسه. وتحمل الحركة اسمًا مشابهًا لمشروع الازدهار في ألبرتا، الذي وُجّهت إليه مؤخرًا اتهامات بالخيانة من قبل رئيس وزراء بريتيش كولومبيا ديفيد إيبي، على خلفية لقاءات أجراها بعض أعضائه مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، دون وجود دلائل واضحة على صلة تنظيمية مباشرة بين المجموعتين.
منسّق الحركة، بيتر ليتورنيو، امتنع عن إجراء مقابلات مطوّلة، مكتفيًا بتصريحات مقتضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أكد فيها أن الحركة تشهد توسعًا سريعًا، داعيًا أنصاره إلى “التمسك بالمشروع”. وقد عقدت الحركة اجتماعها التنظيمي الأول في مدينة كامبل ريفر في الثاني من فبراير، بينما تجاوز عدد متابعي صفحتها على مواقع التواصل أربعة عشر ألفًا.
ويرى ليتورنيو أن ألبرتا وساسكاتشوان تتجهان نحو الاستقلال عن كندا، ما سيجعل بريتيش كولومبيا “المقاطعة الغربية الوحيدة التي تموّل أوتاوا وتدعم كيبيك”، على حد تعبيره، محذرًا من أن بقاءها ضمن الاتحاد الفيدرالي سيضعها في موقع «الخضوع» لحكومة مركزية بعيدة جغرافيًا. ودعا إلى الانضمام إلى ألبرتا وساسكاتشوان لتأسيس دولة جديدة “حرة من قيود أوتاوا وجماعات الضغط”.
وقد واجه الاجتماع احتجاجات محلية، من بينها مشاركة النائبة السابقة عن الحزب الديمقراطي الجديد، ميشيل بابتشوك، التي أكدت أن كامبل ريفر لن تتحول إلى “عاصمة للانفصالية المعادية لكندا”.

الانفصال بين الهوية والواقع الاقتصادي
يرى ستيوارت بريست، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بريتيش كولومبيا، أن شعور العزلة الجغرافية عن بقية كندا يُعد جزءًا أصيلًا من هوية المقاطعة، ما يمنحها طابعًا شبه مستقل. لكنه يشكك في وجود دعم شعبي حقيقي للانفصال، واصفًا فكرة قيام دولة تضم بريتيش كولومبيا وألبرتا وساسكاتشوان بأنها بعيدة عن الواقع السياسي، مرجّحًا أنه في حال انفصال ألبرتا، فإنها قد تنجذب سريعًا نحو الولايات المتحدة. ويؤكد أن بريتيش كولومبيا تحتفظ بقواسم مشتركة أوسع مع باقي كندا مقارنة بالمقاطعات الداخلية.
ويضيف بريست أن النزعة الانفصالية الجديدة في الغرب الكندي تختلف جذريًا عن فكرة كاسكيديا، التي يصفها بأنها أقرب إلى تصور رومانسي لتاريخ بديل، في حين ترتبط الانفصالية الراهنة بالاستقطاب السياسي وصعود الخطاب الشعبوي.
من جهته، يعتبر مايكل هينشال، أحد أنصار مشروع الازدهار، أن الحكومتين الفيدرالية والمحلية تعمدتا إبطاء قطاعات الموارد، بما في ذلك الغابات، والتعدين، والنفط والغاز. ورغم إقراره بوجود تكاليف انتقالية، فإنه يعتقد أن المقاطعة قد تتحول إلى واحدة من أغنى المناطق عالميًا في حال الانفصال، معتبرًا أن أي تقارب مع ألبرتا وساسكاتشوان سيكون خيارًا محليًا مستقلًا، لا تمهيدًا للانضمام إلى الولايات المتحدة.
وبموجب قرار المحكمة العليا الكندية الصادر عام 1998، لا يحق لأي مقاطعة الانفصال من جانب واحد، غير أن الحكومة الفيدرالية تكون ملزمة بالدخول في مفاوضات إذا أبدت أغلبية واضحة موافقتها على سؤال انفصالي. إلا أن استطلاعًا حديثًا أظهر أن 11 في المئة فقط من سكان بريتيش كولومبيا يؤيدون الانفصال، وسط مخاوف من كلفة اقتصادية مرتفعة، شبيهة بتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

كاسكيديا: جغرافيا وهوية عابرة للحدود
تُظهر خرائط صادرة عن منظمة دراسات كاسكيديا الإقليمية أن كاسكيديا تمتد من شمال كاليفورنيا إلى ألاسكا، ومن ساحل المحيط الهادئ إلى القمة القارية، وتشمل معظم أراضي بريتيش كولومبيا، مع اعتماد الخصائص الطبيعية أساسًا للتقسيم بدل الحدود السياسية التقليدية. وتصف الحركة المقاطعة بأنها “الخط الأخضر الرفيع” بين استخراج الموارد والأسواق العالمية، داعية إلى تمكين المجتمعات المحلية وبناء اقتصادات مستدامة.
تاريخيًا، تخيّل توماس جيفرسون قيام كيان مستقل على الساحل الغربي، فيما استلهمت حركة كاسكيديا بعض أفكارها من الأدب البيئي، ولا سيما رواية “إيكوتوبيا” الصادرة عام 1975. وللحركة علمها الخاص، الذي يحمل شجرة دوغلاس على خلفية بيضاء وزرقاء وخضراء، ويُرفع في مناسبات ثقافية ورياضية.
ورغم العلاقات المتينة بين مسؤولي بريتيش كولومبيا ونظرائهم في الولايات المتحدة في مجالات النقل والبيئة، خاصة مع ولاية واشنطن التي تستوعب نحو ثلث صادرات المقاطعة، يشكك كوري بال نفسه في قدرة أي حركة منظمة على تحويل كاسكيديا إلى واقع سياسي. ويرى أن ظهورها قد يكون مرتبطًا بظروف بيئية أو سياسية استثنائية، مضيفًا أن الوقت الراهن لا يزال يصب في مصلحة البقاء ضمن كندا، مع احتمال أن تتبلور نسخة ما من كاسكيديا مستقبلًا، ولو على الجانب الأمريكي فقط.




