ارتفاعُ مستويات غاز الرّادون في المنازل يُفاقم خطر الإصابة بسرطان الرئة في كندا
يواجه سكان كندا خطرًا صحيًا جسيمًا بسبب غاز الرادون، الغاز المشع الذي لا يمكن رؤيته أو شمه أو تذوقه، والذي قد يتسلل إلى المنازل دون أن يشعر به أحد. يُعد الرادون ثاني أكبر سبب للإصابة بسرطان الرئة بعد التدخين، حيث تشير تقديرات وزارة الصحة الكندية إلى أن التعرض الطويل الأمد له يودي بحياة نحو 3200 شخص سنويًا، وهو أكثر من مجموع الوفيات الناتجة عن حوادث السيارات والتسمم بأول أكسيد الكربون والحرائق.
تشير بيانات اختبارات استمرت نحو عقد من الزمن إلى أن مستويات الرادون مرتفعة بشكل خطير في 21% من وحدات الإسكان الاجتماعي، ومع ذلك لا يُلزم القانون القائمين على إدارة هذه المساكن بإجراء اختبارات روتينية للكشف عن الغاز. ومن الأمثلة المروعة مبنى إليانور هوبلي مانور قرب هاليفاكس، الذي يضم ثمانية مستأجرين يعتمدون على الإسكان المدعوم ويعيشون في ظروف محدودة الخيارات بسبب الفقر أو الحالة الصحية.
وأظهرت اختبارات المبنى لعام 2008 مستويات رادون تجاوزت ثلاثة أضعاف الحد المسموح به، واستمرت الاختبارات في عامي 2013 و2017 في تسجيل مستويات خطيرة.

الرادون: القاتل الصامت في منازل كندا
يقول مايكل مورفي، أحد سكان المبنى: “سرطان الرئة سيتسلل إليك خلسة”، مشددًا على ضرورة إبلاغ السكان بالمستويات الخطيرة للرادون. وعلى الصعيد الوطني، تشير نتائج أكثر من 20,000 اختبار إلى أن نحو 45,000 من سكان المساكن الاجتماعية تعرضوا لمستويات تتجاوز إرشادات السلامة، وبعضهم لسنوات دون علمه.
ولا يقتصر الخطر على المساكن الاجتماعية، بل يشمل جميع المنازل الكندية. فقد أظهرت دراسة حديثة أجراها الباحث آرون غودارزي من جامعة كالجاري أن نحو 18% من المنازل تحتوي على مستويات رادون عند أو أعلى من الحد المسموح به “200 بيكريل لكل متر مكعب”، بينما تحتوي نسبة 24% أخرى على مستويات بين 100 و200 بيكريل لكل متر مكعب، وهو الحد المسموح به وفق منظمة الصحة العالمية، مؤكدة أنه لا توجد مناطق “خالية من الرادون” في البلاد.
وتشير تحقيقات شبكة سي بي سي إلى أن نحو مبنى سكني واحد من كل خمسة يحتوي على مستويات مرتفعة من الغاز، وهو ما يمثل زيادة مضاعفة منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ويرجع العلماء سبب ذلك جزئيًا إلى التصميمات الحديثة والتجديدات التي تهدف إلى إحكام المباني، مما يقلل التهوية الطبيعية ويؤدي إلى تراكم الغاز.
وأوضح باويل ميكارسكي، رئيس العمليات الفنية للرادون في وزارة الصحة الكندية، أن أعمال التجديد غالبًا ما تجعل المباني أكثر إحكامًا للهواء دون إدخال تهوية إضافية، بينما يحافظ السكان على الهواء داخل المنازل للحفاظ على الحرارة، خاصة في المناخات الباردة. وأضاف أن تحديث قانون البناء الوطني، الذي يشترط على المنازل الجديدة تضمين مدخنة رادون سلبية، قد يكون الحل، رغم أن اعتماد هذا التحديث يحتاج لموافقة المقاطعات والأقاليم.

اختبار الرادون والتخفيف المنزلي
الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان المنزل يحتوي على مستويات مرتفعة من الرادون هي إجراء اختبار رسمي، سواء عبر خبير متخصص أو باستخدام جهاز اختبار منزلي. وتوفر بعض البلديات هذه الأجهزة مجانًا عبر المكتبات أو وحدات الصحة العامة، كما يقدم برنامج “التحرك بشأن الرادون” الفيدرالي مزيدًا من المعلومات.
وتوصي وزارة الصحة الكندية باستخدام جهاز اختبار طويل الأمد لمدة 91 يومًا على الأقل، ويفضل الاختبار خلال الأشهر الباردة، عندما تكون النوافذ والأبواب مغلقة، مما يزيد من تراكم الغاز.
تشير دراسة جامعة شيكاغو إلى أن ثلث الأسر فقط التي لاحظت ارتفاع مستويات الغاز تخضع لإجراءات التخفيف، بينما أظهرت دراسة جامعة كالجاري أن مستويات الرادون في المنازل الكندية الجديدة أعلى بنسبة 467% من المستويات في المنازل السويدية.
وأوضحت سارة بوتسون، الرئيسة التنفيذية للجمعية الكندية لأمراض الرئة، أن تكلفة أعمال التخفيف لا يمكن تحملها للعديد من الكنديين، وقد يكون إجراء الاختبارات عائقًا إذا علم الفرد أنه لن يستطيع تغطية تكلفة التخفيف لاحقًا. وتقدم الجمعيات غير الربحية برنامج منح لمساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث قدمت في العام الماضي 150 ألف دولار لنحو 100 أسرة، وهو جزء صغير فقط من الحاجة الوطنية.
كشفت دراسة الهيئة الكندية للإحصاء لعام 2025 أن الوعي بالرادون ما زال محدودًا بين الأسر الكندية، إذ سمعت أقل من ستة من كل عشرة أسر عن هذا الغاز المشع، ولم تقم سوى 12% فقط من الأسر التي سمعت عنه بإجراء اختبار لمنزلها. وسجلت الدراسة تفاوتًا كبيرًا بين المقاطعات، فكانت أعلى نسب الوعي والإجراء في نيو برونزويك (19%) ونوفا سكوشا (18%) وساسكاتشوان (17%)، بينما كانت أقل في بريتيش كولومبيا (7%) وأونتاريو (10%) وجزيرة الأمير إدوارد (11%).
الوقاية وحماية العائلة
تشدد التوجيهات على إجراء اختبار طويل الأمد للرادون خلال فصول الخريف والشتاء والربيع، وقياس مستويات الغاز بدقة، مع تحذير السكان عند تجاوز الحد المسموح به. كما تؤكد على أن أي مستوى من الرادون يحمل خطرًا صحيًا.
وينصح الخبراء أيضًا بتعزيز برامج الدعم للأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط لتغطية تكاليف التخفيف، واعتماد مدخنة رادون سلبية في جميع مشاريع البناء الجديدة على مستوى المقاطعات. وتشكل هذه الإجراءات الوقائية خطوة مهمة للحد من تهديد الرادون الصامت داخل المنازل الكندية، مع إمكانية إنقاذ آلاف الأرواح سنويًا من الإصابة بسرطان الرئة الناتج عن التعرض لهذا الغاز.




