كنـدا الآن

أوتـاوا تتضامنُ مع الفاشِر: مُبادرةٌ إنسانيّةٌ تُنقذ آلاف الأَرواحِ في السّودان

لم يكن الحدث في أوتاوا مجرد جمع للتبرعات، بل لحظة إنسانية ثقيلة اختلط فيها الصمت بالدموع، وتحولت القاعة إلى مساحة مشتركة للألم والتضامن، بينما كانت صور وشهادات من السودان، وخصوصًا من مدينة الفاشر، تفرض حضورها القاسي على وجوه الحاضرين وقلوبهم.

داخل القاعة، كان الصمت يخترقه أحيانًا صوت المنظمين والمتحدثين، محاولين شرح حجم المعاناة التي يواجهها المدنيون في السودان، مع تسليط الضوء على الفاشر، المنطقة الأكثر تضررًا من النزاع والانتهاكات الإنسانية، حيث تترك الحروب آثارها على الأطفال والنساء والشيوخ على حد سواء.

تأتي هذه المبادرة لتؤكد أن أوتاوا أصبحت مركزًا لتعبير الجاليات عن تضامنها مع السودان، وأن الفعل المدني قادر على تحويل الحزن والصدمة إلى أمل ملموس، من خلال دعم مادي ومعنوي للشعب السوداني.

قبل انطلاق جمع التبرعات، حبست القاعة أنفاسها أمام فيلم وثائقي كشف وجع النساء السودانيات، حيث دموع امرأة مكسورة اختصرت حجم الوحشية والظلم، وحولت الألم إلى صرخة إنسانية هزّت ضمائر الحاضرين – الصورة لـ هنـا كنـدا

التضامن الإنساني في قلب الحدث

وقالت نادية رحمت الله، مواطنة سودانية مقيمة في أوتاوا، إن مشاركتها جاءت بدافع دعم أهلها في السودان وخصوصًا النازحين الذين يعيشون أوضاعًا قاسية بعد نزوحهم من منازلهم إلى مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، من مياه وغذاء وسكن آمن.

وأضافت أن النازحين “يضطرون لقطع مسافات طويلة للحصول على مياه الشرب، في ظل غياب شبه كامل للخدمات الأساسية”، مؤكدة أن هدفها من الحضور هو المساهمة في إيصال الدعم لمؤسسات إغاثية كبيرة تعمل ميدانيًا على الأرض.

وعبرت نادية عن تأثرها بحجم الحضور، قائلة إن ما لفت انتباهها هو المشاركة الواسعة التي تجاوزت الجالية السودانية لتشمل داعمين من خلفيات متنوعة، معتبرة ذلك رسالة تضامن إنساني حقيقية، وختمت بدعوة إلى عدم نسيان السودان والاستمرار في الدعاء والدعم.

بدعم المانحين، وفي مقدمتهم مامون، تحولت الكلمات إلى أفعال، حيث جسدت مساهماتهم التزامًا أخلاقيًا حيًا بإنقاذ الشعب السوداني، وأكدت أن التضامن الصادق قادر على صناعة فرق حقيقي في مواجهة الجوع والحرب – الصورة لـ هنـا كنـدا

شهادات مأساوية من قلب المعاناة

أحد أقوى اللحظات في الفعالية كانت عندما تحدث مامون محمد حسن، مانح سوداني وناشط مجتمعي، عن حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها السودان.

وأوضح أن “مئات الآلاف فقدوا حياتهم، وأكثر من 14 مليون شخص شُرّدوا من منازلهم، ولم يعد لديهم مكان يعودون إليه”، مع التركيز على ما يجري في الفاشر، والتي وصفها بأنها “أحد أكثر وجوه المأساة قسوة”، مشيرًا إلى الأعمال الوحشية والانتهاكات بحق المدنيين من نساء وأطفال.

وأشار مامون إلى الصمت الدولي والإعلامي تجاه ما يحدث، معتبرًا أن غياب التغطية والاهتمام فاقم من معاناة الضحايا، وترك المدنيين يواجهون مصيرهم بعيدًا عن أنظار العالم.

وختم بدعوة صريحة إلى مواصلة التبرع وعدم الاكتفاء بالتعاطف، مؤكدًا أن الاحتياجات الإنسانية هائلة والفجوة التمويلية ما زالت كبيرة، وأن الدعاء والدعم المادي ورفع الصوت بقضية السودان مسؤولية أخلاقية.

بحضور عبد الله إدريس علي، الدكتور في العلاقات الدولية والمدير السابق لأحد المراكز الإسلامية في كندا، اكتسب الحدث بعدًا فكريًا وأخلاقيًا عميقًا، إذ جاءت كلمته المؤثرة عن مأساة السودان دعوة صادقة حرّكت الضمائر وحفّزت الحاضرين على المساهمة بقوة ومسؤولية إنسانية – الصورة لـ هنـا كنـدا

التنظيم والشفافية… من أوتاوا إلى السودان

من جانبه، قدم جمال طلول، الأمين المالي في المؤسسة الكندية لتنمية الشباب الإرتري، لمحة عن التنظيم والشفافية التي ميزت الفعالية، مؤكدًا أن المبادرة تأتي ضمن سلسلة فعاليات خيرية نظمتها المؤسسة في مدن كندية عدة، من بينها إدمونتون وكالغاري وتورونتو وأوتاوا.

وأشار طلول إلى أن الجهود المشتركة نجحت في جمع نحو 700 ألف دولار كندي لدعم العمل الإنساني في السودان، مع تخصيص ما يقارب 160 ألف دولار كندي من الفعالية الأخيرة لدعم المناطق الأكثر تضررًا، بما في ذلك إقليم دارفور، حيث تواجه آلاف العائلات أوضاعًا شديدة القسوة داخل معسكرات النزوح.

ولفت إلى أن التبرعات ستُوزع عبر شركاء إغاثيين موثوقين لهم خبرة طويلة في السودان، مؤكدًا أن هذه المبادرات لن تكون مؤقتة، بل ستستمر طالما معاناة المدنيين قائمة.

وجوه متأثرة وعيون شاخصة جمعت مسلمين عربًا وكنديين وأشخاصًا من جنسيات مختلفة، في مشهد إنساني واحد يعكس أن مأساة السودان تجاوزت الحدود، وأن الألم حين يكون صادقًا يوحّد القلوب قبل المواقف – الصورة لـ هنـا كنـدا

التضامن الإنساني وتأثير المبادرة

خلال الفعالية، عرض المنظمون مقاطع مصورة وشهادات مباشرة من المدنيين في السودان، أبرزت الانتهاكات والظروف الإنسانية القاسية، خصوصًا في الفاشر، مما أثر بعمق على الحاضرين وأدى إلى صمت ثقيل ودموع وهمسات، ليصبح الحدث أكثر من مجرد جمع تبرعات، بل تجربة إنسانية مشتركة شعرت معها كل الجاليات السودانية والعربية والإرتيرية بالمسؤولية تجاه المتضررين.

وقد نجحت المبادرة في تجاوز الهدف المالي المحدد، مع التزام كامل بالشفافية في توزيع الدعم، وتأكيد أن كل تبرع يصل مباشرة إلى المنظمات الميدانية لتوفير الغذاء والمياه والمأوى للمتضررين.

وختم المشاركون بدعوات صريحة لمواصلة الدعم المالي والمعنوي ورفع الوعي بقضية السودان والفاشر، مؤكدين أن التضامن الشعبي يمكن أن يحوّل الألم إلى أمل ملموس، وأن المجتمع المدني قادر على إنقاذ أرواح وعائلات من محنة الحرب والتجويع.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل