الأوروبيّون يضغطون على واشنطن بشأن الدّعم الروسي لإيران في قمة السبع
في ظل تصاعد حدة التوترات الدولية واتساع رقعة الصراعات المتداخلة بين الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، تعود أوروبا إلى واجهة المشهد الدبلوماسي واضعةً العلاقة بين روسيا وإيران في صدارة أولوياتها، في مسعى للضغط على الولايات المتحدة لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه موسكو، وسط اتهامات متزايدة بأن هذا التعاون تجاوز حدود الدعم غير المباشر إلى مستويات التأثير العسكري والاستخباراتي.
يأتي هذا التحرك الأوروبي خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع، حيث تسعى العواصم الأوروبية إلى توحيد الموقف الغربي في مواجهة ما تعتبره تهديدًا مزدوجًا يتمثل في الدعم الروسي المتنامي لإيران، واستمرار التصعيد في الشرق الأوسط. ويعكس هذا المسار توجهًا أوروبيًا نحو مقاربة أكثر شمولية تربط بين مسارح الصراع المختلفة بهدف كبح النفوذ الروسي في أكثر من ساحة.

تصعيد أوروبي لاحتواء النفوذ الروسي الإيراني
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن روسيا تقدم دعمًا تقنيًا واستخباراتيًا لإيران، يشمل تزويدها بصور فضائية ومعلومات حساسة، إلى جانب المساهمة في تطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة. ويكتسب هذا الدعم أهمية خاصة في ظل الدور المتزايد للطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة، بوصفها أداة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ومنخفضة الكلفة، مع تجاوز أنظمة الدفاع التقليدية.
وفي هذا السياق، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن روسيا “تساعد إيران بمعلومات استخباراتية تستهدف قتل أمريكيين”، مشيرة إلى أن هذا الدعم يعزز قدرات طهران على تنفيذ هجمات تستهدف دولًا في المنطقة وقواعد عسكرية أمريكية. ويعكس هذا التصريح تشددًا متزايدًا في الخطاب الأوروبي، ويبرز حجم القلق داخل المؤسسات الأوروبية من تداعيات هذا التعاون.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو أن التعاون بين روسيا وإيران “حقيقة قائمة”، موضحًا أنه يمتد في اتجاهين ويشمل مجالات عسكرية وغير عسكرية. كما أشار إلى وجود مؤشرات على دعم روسي مباشر أو غير مباشر لعمليات تستهدف المصالح الأمريكية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضع الغرب أمام تحديات متصاعدة.

واشنطن تقلل والأوروبيون يربطون ساحات الصراع
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى التقليل من حجم هذه الاتهامات، إذ أكد المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف أن موسكو تنفي تقديم أي معلومات استخباراتية إلى إيران، مضيفًا أن واشنطن تأخذ هذا النفي على محمل الجد. كما أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أن روسيا تركز حاليًا على حربها في أوكرانيا، دون تقديم تقييم حاسم للاتهامات الأوروبية، ما يعكس نهجًا حذرًا في التعامل مع الملف.
غير أن هذا الموقف لا يلقى قبولًا واسعًا لدى الأوروبيين، الذين يرون أن الفصل بين الساحتين في أوكرانيا والشرق الأوسط لم يعد ممكنًا، في ظل الترابط المتزايد بينهما. وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن الدعم المتبادل بين روسيا وإيران يعكس تحالفًا غير معلن يهدف إلى تقويض النفوذ الغربي وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
وتتزايد المخاوف الأوروبية من أن يؤدي هذا التعاون إلى تصعيد إضافي في الشرق الأوسط، في ظل استمرار التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتشير المعطيات إلى أن إيران وسعت نطاق عملياتها لتشمل استهداف قواعد عسكرية أمريكية، إلى جانب تهديد خطوط الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتصدير النفط عالميًا.
هذا التصعيد دفع فرنسا إلى تحرك دبلوماسي موسع، عبر اجتماع ضم ممثلين عن عشرات الدول، بهدف بحث تشكيل تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز بعد انتهاء العمليات العسكرية. ويعكس هذا التحرك إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لأهمية تأمين تدفق الطاقة العالمية وتفادي اضطرابات قد تقود إلى أزمة اقتصادية واسعة.

تصاعد المخاوف الأوروبية من تداعيات التعاون الروسي الإيراني
وفي الوقت نفسه، تسعى أوروبا إلى إيصال رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن التعامل مع الأزمة يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار ترابط الساحات المختلفة. وترى العواصم الأوروبية أن الضغط على روسيا قد يشكل عنصرًا حاسمًا في الحد من دعمها لإيران، وبالتالي تقليل حدة التصعيد في المنطقة.
غير أن الموقف الأمريكي لا يزال يميل إلى الحذر، مفضلًا إدارة الأزمة دون انخراط مباشر في مواجهة مع روسيا على خلفية الملف الإيراني. ويعكس هذا التباين اختلافًا في الرؤى بين الحليفين التقليديين، ويثير تساؤلات حول مستقبل التنسيق داخل التحالف الغربي.
ومن زاوية أوسع، تعكس هذه التطورات مسارًا متسارعًا لإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث لم تعد الصراعات منفصلة، بل مترابطة بشكل وثيق، بحيث يؤثر كل منها في الآخر. كما أن اعتماد إيران المتزايد على الطائرات المسيّرة يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الحروب، حيث باتت التكنولوجيا والاستخبارات عنصرين حاسمين في موازين القوى، إلى جانب القوة العسكرية التقليدية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة أوروبا على دفع الولايات المتحدة إلى تغيير موقفها تجاه روسيا، أو استمرار التباين بين الطرفين بما يسمح لموسكو وطهران بتعزيز تعاونهما في غياب ردع دولي فعّال.
ويبدو المشهد الدولي متجهًا نحو مزيد من التعقيد، في ظل تشابك المصالح وتعدد الجبهات وتسارع التحولات، في عالم لم تعد فيه الحروب محدودة الإطار، بل باتت متعددة الأبعاد، تتداخل فيها السياسة مع الأمن والاقتصاد والجغرافيا الاستراتيجية.




