فضيحـة تـورونتو: ماذا بعد تسلّل الجريمة المنظّمة إلى قلب جهاز الشّرطة؟
لم يكن ما كُشف عنه في تورنتو، أمس الخميس، مجرد تطور أمني عابر أو قضية جنائية اعتيادية يمكن احتواؤها ببيانات رسمية أو وعود بالإصلاح. فما أُعلن في مؤتمر شرطة منطقة يورك حمل دلالات أعمق، وأعاد طرح أسئلة وجودية حول نزاهة جهاز الشرطة في أكبر مدينة كندية، بعد توجيه اتهامات خطيرة إلى سبعة ضباط حاليين في شرطة تورنتو وشرطي متقاعد آخر، في إطار تحقيق واسع النطاق وصفه مسؤولون أمنيون بأنه من أخطر وأعقد ملفات الفساد الداخلي التي شهدتها الشرطة في تاريخها الحديث.
التحقيق، الذي حمل اسم “مشروع الجنوب”، لم يكشف عن تجاوزات فردية معزولة، بل عن شبكة معقدة يُشتبه بأنها سمحت للجريمة المنظمة بالتغلغل داخل مؤسسة يفترض أنها خط الدفاع الأول عن المجتمع، عبر تسريب معلومات شرطية حساسة استُخدمت لاحقًا في جرائم عنف شملت إطلاق نار وابتزاز وسرقات واتجارًا بالمخدرات، وصولًا إلى التخطيط لاغتيال مسؤول رفيع في خدمات الإصلاحيات في أونتاريو.

من محاولة اغتيال إلى كشف شبكة فساد داخل الشرطة
وبحسب ما أعلنته شرطة يورك، بدأ خيط القضية في يونيو 2025 عقب استهداف منزل مسؤول إداري رفيع في قطاع الإصلاحيات بمنطقة يورك. وخلال فترة لم تتجاوز 36 ساعة، حضر عدد من المشتبه بهم إلى محيط المنزل في ما تقول الشرطة إنه كان جزءًا من مخطط متكامل لعملية قتل متعمدة.
تسجيلات المراقبة التي عُرضت لاحقًا خلال المؤتمر الصحفي أظهرت ثلاثة رجال ملثمين ومسلحين يعودون إلى الموقع ويقومون بدهس سيارة شرطة كانت متوقفة في مدخل المنزل، في مشهد عكس بصورة صادمة كيف تداخل الرمز الأمني ذاته مع أدوات الجريمة.
نائب رئيس شرطة يورك، رايان هوغان، شدد على أنه لا توجد أي أدلة تربط الضحية بالجريمة المنظمة، مؤكدًا أن التحقيقات تشير إلى أن استهدافه جاء بسبب نزاهته المهنية والتزامه بعمله، لا لأي ارتباط إجرامي.
ومع توسع التحقيق، بدأت الصورة تتضح على نحو أكثر خطورة. فقد توصل المحققون إلى أن بعض الضباط المتهمين دخلوا بشكل غير قانوني إلى قواعد بيانات شرطية محمية، وأجروا عمليات بحث غير مبررة أنتجت معلومات شخصية سرية، جرى تسريبها لاحقًا إلى عناصر في الجريمة المنظمة.
الأخطر، وفق ما أعلنته الشرطة، أن العناوين والمعلومات التي جرى البحث عنها تحولت لاحقًا إلى مواقع لجرائم عنيفة شملت إطلاق نار وابتزاز وسرقات تجارية. رئيس شرطة تورنتو، مايرون ديمكيو، قال إن هذه المزاعم تهز الأساس الذي تقوم عليه ثقة الجمهور في مؤسسة الشرطة، واصفًا القضية بأنها أكثر ملفات الشؤون الداخلية إثارة للقلق والأهمية التي واجهها خلال مسيرته المهنية، ومعلنًا في الوقت ذاته طلب مراجعة مستقلة من المفتش العام للشرطة في المقاطعة، تشمل الإشراف الداخلي وآليات الوصول إلى أنظمة المعلومات.

تسريب المعلومات كسلاح: حين أصبحت قواعد البيانات في خدمة الجريمة
المعطيات التي كشفها “مشروع الجنوب” لا تشير إلى تصرفات فردية معزولة، بل إلى شبكة مترابطة ضمت ضباطًا حاليين وسابقين ومدنيين يُشتبه بارتباطهم بعصابات منظمة داخل منطقة تورنتو الكبرى ذات امتدادات دولية.
التحقيق شمل 27 مشتبهًا بهم، بينهم 19 مدنيًا، ووجهت إليهم تهم خطيرة تراوحت بين التآمر على القتل، والاتجار بالمخدرات بما في ذلك القنب والكوكايين والفنتانيل، وحيازة أسلحة نارية محظورة، والابتزاز والسطو، إضافة إلى خيانة الأمانة وعرقلة العدالة. وقد شارك في هذا التحقيق أكثر من 400 عنصر من شرطة يورك وشرطة تورنتو وشرطة أونتاريو الإقليمية، إلى جانب فرق من الادعاء العام، بدعم مالي من حكومة أونتاريو، في ما وُصف بأنه واحد من أكثر التحقيقات تعقيدًا في تاريخ الشرطة المحلية.
ومن بين المتهمين، برز اسم الشرطي تيموثي بارنهاردت، البالغ من العمر 56 عامًا، الذي وصفه المحققون بأنه “نقطة الانطلاق” في القضية. بارنهاردت يواجه 17 تهمة، من بينها تسريب معلومات سرية لتسهيل عمليات إطلاق نار، وتلقي رشى مقابل حماية متاجر قنب غير قانونية من الملاحقة الأمنية، إضافة إلى التورط في الاتجار بالكوكايين والتآمر لعرقلة العدالة. ولا يزال بارنهاردت قيد الاحتجاز بانتظار جلسة كفالة، فيما تشير سجلات رسمية إلى أنه عمل قرابة عشرين عامًا في شرطة تورنتو، وكان قد خضع سابقًا لإجراءات تأديبية داخلية.

القضية تضم أيضًا حالة نادرة تجمع بين أب وابنه، وكلاهما من جهاز الشرطة. فالشرطي المتقاعد جون مادلي الأب، البالغ من العمر 55 عامًا، يواجه اتهامات بالوصول غير القانوني إلى معلومات شرطية وتسريبها في سياق قضايا ابتزاز ومقامرة غير مشروعة مرتبطة بالجريمة المنظمة، وقد أُفرج عنه بشروط في انتظار مثوله أمام المحكمة.
أما نجله، الشرطي جون مادلي الابن، البالغ من العمر 29 عامًا، فيواجه تهم خيانة الأمانة والاستخدام غير المصرح به لأنظمة حاسوبية شرطية. والمفارقة أن الأب كان قد نال خلال خدمته أوسمة رسمية، بينها ميدالية الخدمة المتميزة، رغم وجود سجل تأديبي سابق، ما يسلط الضوء على التناقض الصارخ بين الصورة الرسمية والمسار الفعلي لبعض المتورطين.
كما تشمل قائمة المتهمين رقباء وضباطًا آخرين يُشتبه بتلقيهم رشى مقابل توفير “الحماية” لأنشطة غير قانونية، إلى جانب شرطي متهم بسرقة ممتلكات شخصية، بينها جوازات سفر وبطاقات هوية وبطاقات مصرفية، من مرافق شرطية بدل تسجيلها كمضبوطات رسمية، فضلاً عن أصغر المتهمين سنًا، وهو شرطي يبلغ 24 عامًا، متهم بتسريب معلومات سرية لدعم أنشطة غير مشروعة.
وتكشف هذه الوقائع عن طيف واسع من الانتهاكات التي لا تقتصر على مستوى واحد داخل الهرم الوظيفي، بل تمتد من ضباط ميدانيين إلى رتب إشرافية.
كما أقرّ المحققون بوجود صلات محتملة بين بعض المتهمين وقطاع شاحنات السحب في منطقة تورنتو الكبرى، وهو قطاع لطالما ربطته السلطات خلال السنوات الأخيرة بالعنف المسلح والجريمة المنظمة. ورغم أن دوافع بعض حوادث إطلاق النار لا تزال قيد التحقيق، فإن مجرد ظهور هذا الرابط أعاد إلى الواجهة ملفًا شائكًا طالما أُثير في تقارير سابقة دون أن يُحسم بصورة جذرية.

ثقة تحت الاختبار: هل تكفي التحقيقات لاستعادة مصداقية الشرطة؟
في مواجهة هذه التطورات، قالت رئيسة بلدية تورنتو أوليفيا تشاو إن رئيس الشرطة مطالب باستعادة ثقة الجمهور عبر محاسبة المتورطين وإجراء إصلاحات منهجية حقيقية، لا إجراءات شكلية.
من جانبه، وصف رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد الاعتقالات بأنها مقلقة، مع تأكيده في الوقت ذاته على عدم تعميم الاتهامات على عموم أفراد الشرطة، مشددًا على أن الغالبية تؤدي عملها بنزاهة.
أما هيئة خدمات شرطة تورنتو فأعلنت دعمها لإجراء تفتيش مستقل وشامل من قبل المفتش العام للشرطة، يشمل مراجعة آليات الإشراف، وإجراءات التوظيف والتدقيق، وإمكانية الوصول إلى قواعد البيانات، إضافة إلى إعادة تقييم قضايا سابقة شارك فيها الضباط المتهمون، خشية أن تكون نزاهتها قد تضررت.
ورغم حجم ما كُشف عنه، لا تزال أسئلة جوهرية بلا إجابات واضحة. كيف تمكنت شبكة بهذا الحجم من العمل لفترة طويلة دون انكشاف مبكر؟ وهل كانت هناك ثغرات مؤسسية سمحت بتكرار مثل هذه الانتهاكات؟ وكم من القضايا السابقة قد تكون تأثرت أو شُوهت دون علم الجمهور؟ ما هو مؤكد، وفق تصريحات قادة التحقيق أنفسهم، أن “مشروع الجنوب” لم يُغلق بعد، وأن التحقيق مستمر، مع احتمال توجيه اتهامات إضافية إذا ما قادت الأدلة إلى ذلك.
وفي مدينة تقوم فيها العلاقة بين الشرطة والمجتمع على الثقة باعتبارها حجر الأساس للأمن، تبدو هذه القضية أكثر من مجرد ملف قضائي، إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على مساءلة نفسها، وتنظيف صفوفها من الداخل، واستعادة ثقة جمهور بات يطالب بإجابات تتجاوز الوعود.




