الشــرق الأوســط

هل باتت غزّة محاصرة بين تهدئة هشّة وإعمار مشروط وخطّة أمريكيّة غامضة؟

رغم الإعلان عن اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، تكشف التطورات الميدانية عن واقعٍ أكثر هشاشة مما توحي به البيانات السياسية. فاستمرار الغارات، وسقوط الضحايا، والتوترات المتقطعة على امتداد القطاع، كلها مؤشرات تعكس أن التفاهم القائم لا يزال مهدّدًا بالانهيار، وأن الهدوء الراهن أقرب إلى تهدئةٍ مؤقتة منه إلى انتقالٍ فعلي نحو استقرارٍ مستدام.

في الوقت ذاته، يبرز ملف إعادة إعمار غزة كعنوان دولي ملحّ، يتقاطع مع مبادرات سياسية أبرزها ما يُعرف بـ“مجلس السلام” الأمريكي. غير أن ربط الإعمار بترتيبات أمنية وشروط سياسية غير متفق عليها، يعيد طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل مسار إنقاذ حقيقي للغزيين، أم إطارًا لإدارة أزمة مؤجلة في ظل غياب معالجة جذرية لأسباب الصراع.

وقف إطلاق النار تحت الاختبار: هشاشة الميدان والتهدئة المؤقتة

الواقع على الأرض يشير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى مسار سياسي مستقر. فالصحفي الفلسطيني عبد الهادي أبو قنيص، في تصريح خاص لـ“هنا كندا”، يؤكد أن الخروقات الإسرائيلية لم تتوقف فعليًا، بل تغيرت أشكالها، مشيرًا إلى أن القصف المتقطع، وإطلاق النار، والتضييق على حركة المدنيين، كلها عوامل تُبقي السكان في حالة خوف دائم وتُفرغ التهدئة من مضمونها الإنساني. ويضيف أن المشهد الميداني لا يوحي بأن إسرائيل تتعامل مع الاتفاق كالتزام طويل الأمد، بل كورقة تكتيكية مؤقتة، تُدار وفق مصالح عسكرية وسياسية آنية.

في هذا السياق، يبقى معبر رفح عنصرًا كاشفًا لطبيعة المرحلة. فمع السماح بعودة جزئية للنازحين، يواجه العائدون إجراءات إسرائيلية معقدة تشمل التدقيق الأمني، والتأخير، وقيود الحركة، ما يجعل العودة نفسها تجربة شاقة، لا تقل قسوة عن النزوح. هذه المعطيات تؤكد أن أي حديث عن تهدئة مستدامة أو حياة أفضل للغزيين يظل رهينًا بالتغييرات الحقيقية على الأرض وليس بمجرد التفاهمات السياسية المعلنة.

شهد معبر رفح عبور نحو 400 فلسطيني خلال أسبوع، بينهم مرضى وجرحى يرافقهم مقدمو الرعاية، في عملية إخلاء من مستشفى الصليب الأحمر في خان يونس، غزة، بتاريخ 9 فبراير 2026. يعكس هذا المشهد استمرار أزمة المدنيين وهشاشة الوضع الإنساني رغم الهدوء النسبي على الأرض – الصورة لـ الأناضول عبر ميدل ايست مونيتور

معبر رفح ونزع السلاح: عقدة ما بعد الحرب

يمثل معبر رفح نقطة تماس مباشرة بين البعد الإنساني والبعد السياسي في غزة، فهو الشريان الحيوي لسكان القطاع وأداة ضغط في آن واحد ضمن الصراع على ترتيبات ما بعد الحرب.

ويرى العميد الركن نضال زهوي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، في تصريح لـ“هنا كندا”، أن ما يجري على المعبر “ليس مجرد إجراءات أمنية، بل سياسة مدروسة لإعادة هندسة الواقع السكاني والسياسي في غزة”. ويضيف أن التعقيدات المفروضة على العائدين تهدف إلى خلق بيئة طاردة، أو على الأقل غير مستقرة، بما يخدم التصورات الإسرائيلية حول مستقبل القطاع.

ويشير زهوي إلى أن ملف نزع السلاح يُستخدم كـ “ورقة ابتزاز سياسي”، إذ تحاول إسرائيل ربط أي تخفيف للحصار أو أي تقدم في الإعمار بشرط تفكيك القدرات العسكرية للمقاومة، وهو شرط ترفضه حماس وفصائل أخرى بشكل قاطع. وهذا الموقف أكده خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، حين وصف أي حديث عن سلاح المقاومة خارج سياق إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية بأنه طرح غير واقعي، مشيرًا إلى أن نزع السلاح تحت الاحتلال يعني نزع الروح.

هذه المعادلة تطرح معضلة مركزية: كيف يمكن الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار في ظل غياب توافق سياسي حول القضايا الجوهرية؟ بينما ترى أطراف دولية أن الاستقرار يتطلب “ترتيبات أمنية جديدة”، تصر القوى الفلسطينية على أن الأمن الحقيقي يبدأ بإنهاء الاحتلال، لا بتجريد الضحية من أدوات الدفاع عن نفسها.

ترامب يتقدّم المشهد محاطًا بدولٍ تدور في فلكه، فيما تُترك غزة لمصيرٍ مجهول داخل نظام دولي يُعاد تشكيله بمنطق القوة والوصاية، حيث تُختزل الشرعية في النفوذ ويُدار السلام كصفقة لا كحق – الصورة لـ غيتي إيماجيس | وكالة الانباء الفرنسية عبر آي بي سي نيوز

مجلس السلام” الأمريكي: مبادرة سياسية أم إطار رمزي؟

في خضم هذا المشهد المعقد، برزت تحركات أمريكية جديدة عبر ما يُعرف بـ“مجلس السلام” الأمريكي المتعلق بقطاع غزة، وهي مبادرة أُطلقت خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ووفقًا لتقارير موقع “أكسيوس” الأمريكي، يخطط البيت الأبيض لعقد أول اجتماع لقادة هذا المجلس في 19 فبراير/شباط، في معهد السلام الأمريكي بواشنطن، بهدف دفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إلى جانب حشد التمويل اللازم لإعادة إعمار غزة، بالتزامن مع مؤتمر دولي للمانحين، في محاولة ربط المسار السياسي بالمسار الاقتصادي.

غير أن هذه المبادرة قوبلت منذ الإعلان عنها بتشكيك واسع، خصوصًا من حلفاء غربيين امتنعوا عن الانضمام، نظرًا للصلاحيات الواسعة الممنوحة للمجلس ومنح الرئيس الأمريكي حق النقض المنفرد على قراراته، ما أثار مخاوف من تحويل المجلس إلى أداة سياسية أكثر منه إطارًا توافقيًا.

البيت الأبيض، من جانبه، امتنع عن التعليق الرسمي على هذه الخطط، مشيرًا إلى أن التحضيرات لا تزال في مراحلها الأولى وقد تخضع للتعديل، ما يعزز الشكوك حول جدية المبادرة في ظل محدودية قدرة الأطر الدولية السابقة على فرض حلول عادلة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن “مجلس السلام”، بصيغته الحالية، قد يتحول إلى منصة لإدارة الأزمة بدل حلها، عبر التركيز على الجوانب التقنية لإعادة الإعمار، مع تجنب القضايا السياسية الأساسية مثل رفع الحصار، وتقرير المصير، وضمان عدم تكرار العدوان.

في هذا المشهد، تبدو غزة محاصرة بين واقع ميداني شديد الهشاشة، ومسار سياسي ضبابي تقوده مبادرات دولية تفتقر إلى التوافق والضمانات العملية، ما يجعل أي حديث عن تحسين حياة الغزيين أو تحقيق استقرار مستدام رهينًا بمعالجة جذور الصراع، لا بالاكتفاء بإدارة تداعياته الإنسانية والأمنية المؤقتة.

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل