مصطفى الجندي | يكشفُ أسباب ارتفاع أسعار العقار في أوتاوا وآفاق شراء المنازل في حوار خاصّ لـ”هـنا كنـدا”
في ظل التحديات التي يشهدها سوق العقار في كندا، والارتفاع المتواصل في أسعار المنازل خلال السنوات الأخيرة، تزداد أهمية الاستماع إلى خبرات العاملين مباشرة في هذا القطاع لفهم التحولات الجارية في السوق. وفي هذا السياق، أجرت منصة “هنـا كـندا” مقابلة مع الوسيط والخبير العقاري مصطفى الجندي، الكندي من أصول مصرية، الذي استطاع خلال سنوات من العمل المهني في السوق أن يرسخ اسمه بين الوسطاء العقاريين في العاصمة الكندية.
ويعمل الجندي في مدينة أوتاوا ضمن شركة “روايـال لـو بـاج”، حيث اكتسب ثقة شريحة واسعة من العملاء بفضل خبرته في تحليل السوق وحرصه على تقديم استشارات مبنية على المعرفة الدقيقة بالقطاع العقاري. وفي هذه المقابلة، يتحدث الجندي عن واقع سوق العقار في أوتاوا، وأبرز التحديات التي يواجهها المشترون اليوم، خصوصًا من الجاليات العربية، إضافة إلى رؤيته لمستقبل السوق خلال المرحلة المقبلة.
1. في ظل تزايد الحديث عن صعوبة دخول سوق العقار في كندا، نبدأ بالتعرف على خلفيتك المهنية.
من هو مصطفى الجندي، ومتى بدأت العمل في مجال الوساطة العقارية في كندا؟
في البداية أشكركم على الاستضافة. أنا أعمل وكيلًا عقاريًا في كندا منذ نحو عشر سنوات، وبدأت دخولي إلى هذا المجال بدافع الشغف بسوق العقار، وكذلك برغبة حقيقية في مساعدة الناس على اتخاذ أحد أهم القرارات في حياتهم، وهو قرار شراء المنزل.
منذ بدايتي في هذا المجال حرصت على أن أقدم خدمة تقوم على الشفافية والمعرفة الدقيقة بالسوق العقاري، لأن شراء منزل ليس مجرد صفقة مالية، بل خطوة كبيرة في حياة أي عائلة. ومع مرور الوقت، تمكنت من بناء شبكة قوية من العملاء والعلاقات المهنية، إضافة إلى ترسيخ الثقة داخل المجتمع الذي أعمل فيه.
2. عملك ضمن واحدة من أكبر الشركات العقارية في البلاد يشكل جزءًا مهمًا من مسارك المهني.
كيف انضممت إلى شركة “روايـال لـو بـاج”، وما الذي توفره لك هذه الشركة من أدوات أو دعم مهني ينعكس على عملائك؟
عندما بدأت العمل في المجال العقاري، انطلقت مع شركة “كيلر ويليامز” التي تعد من الشركات الكبرى في قطاع الوساطة العقارية في الولايات المتحدة.
وخلال تلك المرحلة اكتسبت خبرة مهمة في أساسيات العمل العقاري وتطوير العلاقات مع العملاء. وفي عام 2025 حدث تغيير مهني مهم بالنسبة لي، حيث انتقلت إلى شركة “روايـال لـو بـاج”، وهي من أقدم وأكبر الشركات العقارية في كندا.
ما يميز العمل مع هذه الشركة هو الدعم المهني الكبير الذي توفره للوكلاء العقاريين، سواء من ناحية التدريب المستمر أو استخدام التكنولوجيا وتحليل بيانات السوق. هذه الأدوات تساعدنا كثيرًا في تقديم معلومات دقيقة ومبنية على معطيات حقيقية للعملاء، وهو أمر أساسي لاتخاذ قرارات شراء أو بيع مدروسة.

3. بدايات أي سمسار عقاري في كندا تكون مليئة بالتحديات التنظيمية والسوقية.
ما أبرز الصعوبات العملية التي واجهتك في سنواتك الأولى، وكيف تعاملت معها مهنيًا؟
في بداية أي مسيرة مهنية في الوساطة العقارية، يكون التحدي الأكبر هو بناء الثقة مع العملاء. السوق العقاري في كندا تنافسي جدًا، وهناك عدد كبير من الوسطاء العقاريين، لذلك يحتاج الوكيل إلى وقت وجهد ليبني سمعته المهنية.
بالنسبة لي، ركزت منذ البداية على العمل الجاد وتقديم معلومات دقيقة للعملاء، إضافة إلى الحرص على الصدق والشفافية في التعامل. ومع مرور الوقت، أصبحت النتائج الجيدة وتجارب العملاء الإيجابية أهم مصدر لنمو عملي، حيث بدأت التوصيات الشخصية من العملاء السابقين تلعب دورًا كبيرًا في توسع نشاطي المهني.
4. تشير البيانات الأخيرة إلى تباطؤ نسبي في بعض مناطق أونتاريو مقارنة بذروة الأسعار بعد الجائحة.
كيف تصف الوضع الحالي لسوق العقار في أوتاوا: هل نحن أمام سوق مشترين أم بائعين، ولماذا؟
إذا قارنا الوضع الحالي بفترة جائحة كورونا، سنلاحظ أن السوق أصبح أكثر هدوءًا نسبيًا. خلال تلك الفترة كانت أسعار المنازل ترتفع بسرعة كبيرة بسبب انخفاض معدلات الفائدة وارتفاع الطلب على الشراء.
لكن بعد ارتفاع معدلات الفائدة في السنوات الأخيرة، بدأ السوق يهدأ نسبيًا، كما تراجعت الأسعار قليلًا مقارنة بالذروة التي شهدناها في عامي 2021 و2022. ومن وجهة نظري، يمكن القول إن السوق حاليًا يميل أكثر لصالح المشترين، لأن لديهم وقتًا أكبر لاتخاذ القرار ولا يواجهون نفس الضغوط التي كانت موجودة خلال فترة الجائحة. ومع ذلك، ما زال الطلب قائمًا بسبب النمو السكاني المستمر في كندا.
5. ارتفاع أسعار المنازل أصبح قضية اقتصادية واجتماعية في كندا.
من وجهة نظرك كوسيط يعمل يوميًا في السوق، ما الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا الارتفاع المستمر في الأسعار؟
هناك عدة أسباب تقف وراء ارتفاع أسعار المنازل خلال السنوات الماضية. من أهم هذه الأسباب ارتفاع تكاليف البناء بشكل ملحوظ، إضافة إلى مشكلة العرض والطلب، حيث إن عدد المنازل المتاحة في السوق أقل من حجم الطلب عليها.
كما أن فترة جائحة كورونا لعبت دورًا مهمًا في هذا الارتفاع، حيث كانت معدلات الفائدة منخفضة جدًا، ما دفع الكثير من الناس إلى شراء المنازل في وقت قصير، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير في تلك المرحلة.
6. الكثير من المشترين يشتكون من صعوبة التأهل للتمويل العقاري.
كيف أثرت معدلات الفائدة والتضخم على قدرة العائلات، خصوصًا ذات الدخل المتوسط، على شراء منزل في أوتاوا؟
ارتفاع معدلات الفائدة كان له تأثير مباشر على قدرة المشترين على الحصول على التمويل العقاري، أو ما يعرف بالقرض العقاري “مورتغاج”.
فعندما ترتفع الفائدة، ترتفع معها قيمة القسط الشهري للقرض. وهذا يعني أن الكثير من العائلات، خصوصًا ذات الدخل المتوسط، أصبحت بحاجة إلى ميزانية أكبر للحصول على نفس المنزل الذي كان بإمكانها شراؤه قبل عدة سنوات. لذلك أصبح التأهل للحصول على التمويل العقاري أكثر صعوبة مقارنة بالفترة التي كانت فيها الفائدة منخفضة.

7. بعيدًا عن الإيجابيات، لكل سوق نقاط ضعف يجب الاعتراف بها.
ما أبرز السلبيات أو المخاطر الحالية في سوق العقار الكندي التي تنصح المشترين بالانتباه لها؟
أنا لا أسميها مخاطر بقدر ما هي خطوات أساسية يجب على أي مشترٍ الانتباه لها. أول نصيحة هي أن يعرف المشتري قدرته المالية بدقة قبل البدء في البحث عن منزل، ويفضل أن يحصل على موافقة مبدئية للتمويل العقاري من البنك، وهو ما يعرف بالموافقة المسبقة للقرض العقاري.
النقطة الثانية هي أهمية إجراء فحص المنزل، أو ما يعرف بفحص العقار. هذه الخطوة تساعد المشتري على التأكد من حالة المنزل وتجنب أي مشاكل مستقبلية قد تكون مكلفة. كما أنني أنصح دائمًا بعدم التسرع في اتخاذ قرار الشراء، لأن شراء المنزل قرار كبير يجب أن يكون مدروسًا بعناية.
8. هناك حديث متزايد عن برامج دعم حكومية وتسهيلات للمشترين الجدد.
ما هي أهم الأدوات أو البرامج التمويلية المتاحة حاليًا التي يمكن أن تساعد المشتري لأول مرة على دخول السوق؟
هناك عدة برامج تساعد المشترين لأول مرة في كندا. من أبرزها برنامج خطة مشتري المنزل، الذي يسمح للمشتري بسحب ما يصل إلى 60 ألف دولار من حساب الادخار التقاعدي المسجل من دون دفع ضرائب على هذا المبلغ.
كما يوجد حساب الادخار للمنزل الأول، الذي يسمح بالادخار لشراء أول منزل مع مزايا ضريبية، حيث يمكن للشخص توفير ما يصل إلى 40 ألف دولار دون ضرائب عند استخدامه لشراء منزل.
إضافة إلى ذلك، هناك تسهيلات تتعلق بتمديد مدة القرض العقاري إلى ثلاثين سنة لبعض المشترين لأول مرة، ما يساعد على تقليل قيمة الدفعات الشهرية. كما يستفيد المشترون الجدد من إعفاءات جزئية في ضريبة نقل الملكية.
9. الجالية العربية في أوتاوا تنمو بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
ما نوع الخدمات التي تقدمها للناطقين بالعربية، وهل ترى أنهم يواجهون تحديات مختلفة عن بقية المشترين؟
الجالية العربية في أوتاوا تنمو بشكل واضح في السنوات الأخيرة، والكثير من العملاء يفضلون التعامل مع شخص يفهم لغتهم وثقافتهم. لذلك أحاول دائمًا أن أقدم لهم خدمة واضحة وسهلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشرح خطوات شراء أو بيع المنزل.
أركز بشكل خاص على توضيح الجوانب القانونية وإجراءات التمويل العقاري بطريقة مبسطة، حتى يتمكن العميل من فهم جميع التفاصيل قبل اتخاذ أي قرار.
10. العديد من المهاجرين الجدد يفتقرون للخبرة بالقوانين والإجراءات العقارية الكندية.
كيف تساعد عملاءك العرب عمليًا في فهم العقود، شروط التمويل، وتجنب الأخطاء الشائعة عند الشراء؟
الكثير من المهاجرين الجدد لا تكون لديهم معرفة كافية بالنظام العقاري في كندا، لذلك أحرص في عملي على شرح العملية كاملة خطوة بخطوة.
أوضح للعميل كيفية الحصول على التمويل العقاري، وما هي شروط العقود، وما الخطوات القانونية التي تتم خلال عملية الشراء، حتى يكون على دراية كاملة بكل ما يحدث في الصفقة قبل اتخاذ القرار.

11. حصولك على أربع جوائز متتالية في مجال العقار يعكس أداءً متميزًا في سوق تنافسي.
كيف تمكنت عمليًا من تحقيق هذا الإنجاز، وما الاستراتيجية التي اتبعتها للحفاظ على هذا المستوى من الأداء؟
الجوائز التي حصلت عليها جاءت نتيجة العمل المستمر والانضباط في المهنة. بدأت هذه الجوائز منذ عام 2019، حيث كنت أحصل على جائزة سنويًا بناءً على حجم الإنتاج والصفقات التي يتم إنجازها خلال العام.
معظم هذه الجوائز كانت خلال عملي مع شركة كيلر ويليامز، حيث كنت من بين أفضل الوكلاء في المكتب من حيث الأداء. واستمر هذا الأداء حتى بعد انتقالي للعمل مع شركة “روايـال لـو بـاج”. بالنسبة لي، السر في ذلك هو المتابعة المستمرة لتغيرات السوق والعمل على بناء علاقات قوية مع العملاء والحفاظ على الثقة معهم.
12. مع التغيرات الاقتصادية المتسارعة، يبقى السؤال عن المستقبل.
كيف ترى اتجاه سوق العقار في أوتاوا خلال العامين القادمين، وما خطتك المهنية للتعامل مع هذه التحولات؟
من وجهة نظري، من المتوقع أن يبقى سوق العقار في أوتاوا مستقرًا نسبيًا مقارنة ببعض المدن الكندية الأخرى. فالعاصمة الكندية تتمتع بقدر من الاستقرار الاقتصادي بسبب وجود الحكومة الفيدرالية وعدد كبير من الوظائف المرتبطة بها.
كما أن الهجرة المستمرة إلى كندا ستبقي الطلب على السكن قائمًا. قد نشهد فترات يرتفع فيها السوق أو يتراجع قليلًا، لكن على المدى الطويل يبقى العقار استثمارًا جيدًا نسبيًا.
13. بعض المستثمرين بدأوا يتجهون إلى العقار كوسيلة تحوط ضد التضخم.
هل ما زلت ترى الاستثمار العقاري خيارًا آمنًا في أوتاوا اليوم، ولماذا؟
ما زلت أرى أن الاستثمار العقاري يعد من الخيارات المهمة لبناء الثروة على المدى الطويل. لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون الاستثمار مدروسًا بعناية.
اختيار الموقع المناسب والعقار الذي يتمتع بإمكانيات نمو مستقبلية يعد عاملًا أساسيًا في نجاح أي استثمار عقاري.
14. هناك فجوة واضحة بين الأسعار ومستويات الدخل في عدة مدن كندية.
هل تعتقد أن السوق يحتاج إلى تدخلات تنظيمية إضافية، أم أن العرض والطلب سيصححان المسار تلقائيًا؟
هناك بالفعل فجوة واضحة بين متوسط الدخل ومتوسط أسعار المنازل في العديد من المدن الكندية. فمتوسط دخل الأسرة قد يبلغ نحو 60 ألف دولار سنويًا، بينما قد يتجاوز متوسط سعر المنزل 600 ألف دولار في بعض المناطق.
هذه الفجوة تجعل القدرة على شراء المنازل أكثر صعوبة بالنسبة لكثير من العائلات. لذلك بدأت الحكومات في محاولة معالجة المشكلة من خلال دعم مشاريع الإسكان وتسريع عمليات البناء بهدف زيادة المعروض في السوق.

15. في ظل المنافسة العالية بين الوسطاء العقاريين في أوتاوا.
ما الذي يجعل العميل يختارك أنت تحديدًا لإدارة صفقة قد تكون الأهم في حياته المالية؟
أركز دائمًا في عملي على ثلاثة عناصر أساسية: الصدق، والشفافية، والتحليل الدقيق للسوق قبل اتخاذ أي قرار.
كما أن العلاقة مع العميل بالنسبة لي لا تنتهي عند إتمام الصفقة، بل تستمر بعدها أيضًا، لأن بناء علاقة طويلة الأمد مع العملاء هو أحد أهم أسباب النجاح في هذا المجال.
16. قبل ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها لقراء “هنا كندا” والجالية العربية في أوتاوا؟
في الختام، أود أن أشكر منصة “هنـا كـندا” على هذه الاستضافة وإتاحة الفرصة للحديث عن سوق العقار في كندا، وبالتحديد في أوتاوا.
أتمنى أن تكون المعلومات التي تحدثنا عنها مفيدة لكل من يفكر في شراء أو بيع عقار، وأنا دائمًا في خدمة الجالية العربية في أوتاوا، ويسعدني تقديم المساعدة لكل من يحتاج إلى استشارة في هذا المجال.



