الحكومة الفيدراليّة تستأنفُ تطبيق قانون الطّوارئ أمام المحكمة العُليا بعد احتجاجات قافلة الحرّية
تستأنف الحكومة الفيدرالية أمام المحكمة العليا، قضية استخدام قانون الطوارئ خلال احتجاجات “قافلة الحرية” التي اجتاحت العاصمة أوتاوا في فبراير 2022، في خطوة تكشف عمق التوتر بين السلطة التنفيذية والقضاء في كندا. تأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الأحكام التي قضت بعدم قانونية تدخل الحكومة، معتبرةً أنه انتهك حقوق المتظاهرين المكفولة بموجب ميثاق الحقوق والحريات الكندي، ما يفتح النقاش حول مدى صلاحيات الدولة في إدارة أزمات الشارع.
بدأت الاحتجاجات، التي عُرفت إعلاميًا باسم “قافلة الحرية”، كمبادرة للاعتراض على متطلبات اللقاح، لكنها سرعان ما تحولت إلى أزمة شلّت العاصمة وعطلت خطوط التجارة الحيوية مع الولايات المتحدة عبر ويندسور، أونتاريو. آلاف المشاركين، من بينهم أصحاب شاحنات كبيرة، نصبوا مخيمات مؤقتة، وأقام بعضهم ألعابًا هوائية وحوض استحمام هوائي، في مشهد كشف عن تصادم مصالح المجتمع المدني مع السلطات، وأثار جدلًا واسعًا حول حدود الاحتجاج السلمي وأدوات الدولة للسيطرة على الفوضى.

الصراع القانوني بين الحكومة والمحاكم: تقييم استخدام قانون الطوارئ
رفضت محكمة الاستئناف الفيدرالية، استئناف الحكومة بعد أن حكمت محكمة أدنى بأن قرار ترودو كان غير قانوني ويقوض حقوق المتظاهرين الدستورية. ووفقًا لمكتب وزير العدل، فإن الحكومة “لا تزال ملتزمة بضمان امتلاك الأدوات اللازمة لحماية سلامة وأمن الكنديين في مواجهة تهديدات النظام العام والأمن القومي”.
وتقدمت عدة جمعيات مدنية، بينها الجمعية الكندية للحريات المدنية ومؤسسة الدستور الكندي، بطعن قانوني على قرار الحكومة، مؤكدة أن الاحتجاجات لم ترتق إلى مستوى “حالة طوارئ” تستدعي سلطات استثنائية. وفي حكمه لعام 2024، اعتبر القاضي ريتشارد موسلي أن قرار الحكومة يفتقر إلى التبرير والشفافية والوضوح القانوني، وهو ما أكده لاحقًا محكمة الاستئناف، معتبرة أن الحكومة لم تكن لديها أسباب معقولة للاعتقاد بوجود تهديد للأمن القومي.
ثمة خطوة موازية تمثلت في تحقيق إلزامي قاده المفوض بول رولو، والذي خلص في أوائل 2023 إلى أن الحكومة الفيدرالية استوفت “المعيار العالي جدًا” لتطبيق قانون الطوارئ، مشيرًا إلى إخفاق الشرطة وحكومة أونتاريو في التعامل مع الأزمة. التقرير النهائي أشار إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة كانت موجهة، مؤقتة ومتناسبة مع الوضع، مؤكدًا أن تعطيل العاصمة ونقاط الحدود استلزم اتخاذ تدابير استثنائية لضمان الأمن والنظام.
تضمن تطبيق قانون الطوارئ منح أجهزة إنفاذ القانون صلاحيات استثنائية لإزالة واعتقال المتظاهرين، فضلاً عن القدرة على تجميد الحسابات المالية لأولئك المرتبطين بالاحتجاجات، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول حدود استخدام السلطة في حالات الطوارئ وأثرها على الحقوق المدنية. وقد أدين عدد من منظمي قافلة الحرية بتهم تتعلق بأعمال التخريب وحُكم عليهم بعقوبات مشروطة، في حين استمر الجدل القانوني حول القانون نفسه ومبررات تطبيقه.

التحقيق يكشف إخفاقات واستنتاجات حول إدارة الأزمة
كشفت الوثائق الداخلية التي قدمتها الشرطة الملكية الكندية عن “الدروس المستفادة” من أزمة قافلة الحرية، والتي تضمنت ضرورة تحسين التنسيق بين أجهزة الأمن ومستوى التخطيط المسبق لمواجهة الاعتصامات الكبرى. ووفقًا للتحقيقات، فإن ضعف التنسيق والفشل في إدارة الأزمة من قبل بعض الجهات المحلية ساهم في تفاقم الاحتجاجات وإطالة أمدها.
يبقى النزاع القانوني حول استخدام قانون الطوارئ أمام المحكمة العليا، حيث تسعى الحكومة لتبرير موقفها أمام أعلى سلطة قضائية في البلاد. وبينما يرى منتقدو القانون أن تطبيقه خلال الاحتجاجات تجاوز الحدود القانونية وهدد الحقوق المدنية، تؤكد الحكومة أن التدابير كانت ضرورية للحفاظ على النظام العام والأمن الوطني، وأن استخدام القانون كان وفق المعايير المعمول بها في حالات الطوارئ.
مع استمرار الجدل القضائي، يسلط هذا الملف الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه الديمقراطيات الحديثة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الأمن الوطني وحقوق المواطنين الأساسية، خاصة في أوقات الأزمات غير المسبوقة التي تختبر قدرة الحكومة على التصرف بسرعة وفعالية دون الإضرار بالحريات المدنية.




