محكمة ساسكاتشوان الكنديّة تدين أكاديميّا بتهمة التّشهير وتفرض تعويضًا قدره 70 ألف دولار
في لحظة قضائية فارقة، أعادت محكمة مقاطعة ساسكاتشوان رسم حدود النقاش العام في كندا، بعد أن أصدرت حكمًا بإدانة الأكاديمي داريل ليرو بتهمة التشهير، على خلفية اتهامه الأستاذة الجامعية ميشيل كوبال بانتحال الهوية الأصلية لتحقيق مكاسب مهنية. الحكم، الذي تضمّن تعويضًا ماليًا قدره 70 ألف دولار، لا يُقرأ فقط كفصل في نزاع فردي، بل كإشارة قوية إلى هشاشة التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية في واحدة من أكثر القضايا حساسية في البلاد.
اندلعت القضية داخل الأوساط الأكاديمية عندما وجّه داريل ليرو، المتخصص في دراسة ظاهرة “انتحال الهوية الأصلية” والمعروف بأبحاثه حول “البريتنديانزيم”، اتهامات علنية للأستاذة ميشيل كوبال عبر وسائل التواصل ومنصات أكاديمية، واصفًا إياها بأنها “احتالت” و”تظاهرت بأنها من السكان الأصليين” لبناء مسيرتها المهنية.
في 9 أغسطس 2021، نشر ليرو تغريدات اعتبر فيها كوبال “حالة جديدة من تغيير العرق”، متهمًا إياها بالاعتماد على “وثائق مزيفة وسرديات عائلية”، وأضاف في منشور آخر أنها “استغلت علاقتها بأسلافها لتصبح خبيرة في قضايا الحقيقة والمصالحة”. كما اتهمها في محادثة مع الأكاديمي نيجان سينكلير بمحاولة التأثير على محتوى كتابه، قائلًا: “أفترض أنها تحاول إخفاء احتيالها”. وخلال عرض في منتدى حوكمة معاهدة روبنسون هورون عام 2022، قال إن كوبال وآخرين “بنوا مسيراتهم على ادعاءات مزيفة وجنوا ملايين الدولارات منها”.
واعتبرت المحكمة أن هذه التصريحات لم تقتصر على النقد، بل انزلقت إلى اتهامات مباشرة بالاحتيال، طُرحت علنًا وفي سياقات أكاديمية وخاصة، وقدّمت كوبال كنموذج لما يُسمّى “التحول العرقي”، دون أدلة كافية تثبت هذه المزاعم.

لا احتيال… بل اعتقاد بحسن نية
في حيثيات الحكم، أوضحت المحكمة أن جوهر القضية لا يتمحور حول مسألة الهوية بحد ذاتها، بل حول النية والسلوك. والسؤال الحاسم كان ما إذا كانت الأستاذة قد تعمّدت تضليل الآخرين أو ارتكبت احتيالًا، لتخلص المحكمة إلى نتيجة واضحة: لا دليل على وجود احتيال.
القاضي أقرّ بأن كوبال استندت في تعريف هويتها إلى معطيات كانت تُعدّ موثوقة في وقت سابق، بما في ذلك روايات عائلية وقرارات مؤسساتية، ما يجعل سلوكها قائمًا على اعتقاد صادق، حتى مع تغيّر هذه المعطيات لاحقًا. وشددت المحكمة على أن وصفها بـ”المحتالة” أو بأنها “تظاهرت” بالانتماء لا يستند إلى وقائع مثبتة، بل إلى استنتاجات مبالغ فيها، مؤكدة أن الاعتقاد الخاطئ، إذا استند إلى أسس معقولة، لا يرقى إلى مستوى الخداع المتعمد.
في المقابل، رأت المحكمة أن ليرو، رغم خلفيته البحثية، كان بإمكانه طرح انتقاداته بأسلوب مهني لا يمسّ بسمعة الأفراد، إلا أنه اختار لغة تصعيدية حملت اتهامات صريحة بالاحتيال، وهو ما اعتُبر تجاوزًا قانونيًا واضحًا. كما رفضت المحكمة دفوع الدفاع القائمة على “التعليق العادل” أو صحة الاتهامات، معتبرة أن هذه المعايير لا تنطبق في ظل غياب الأدلة.
وقال محامي ليرو، يافار حاميد: “القرار القضائي لا يركز على ما إذا كانت الأستاذة كوبال أصلية أم لا، بل على ما إذا شعرت هي بأنها من السكان الأصليين في مراحل مختلفة من حياتها الأكاديمية، وهو ما يخلق معيارًا مرتفعًا جدًا للناقدين العامين”.
في المقابل، أوضح محامي كوبال، بول هاراسين، أن “ليرو لم يُدان بسبب قوله إن كوبال ليست من السكان الأصليين، بل لأنه ذهب أبعد من ذلك وكرر اتهامها بالاحتيال. الاحتيال يتطلب خداعًا متعمدًا، وهو ما لم يحدث”، مضيفًا أن “الأستاذة كوبال كانت لديها أسس قوية للاعتقاد بانتمائها، وهو ما أكده الحكم بوضوح”.

زلزال في النقاش العام… وتداعيات تتجاوز القضاء
تتجاوز تداعيات هذه القضية أطرافها المباشرين لتلامس بنية النقاش العام في كندا، لا سيما في ما يتعلق بقضايا الهوية الأصلية. فخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول ظاهرة “ادعاء الانتماء”، وسط دعوات لتشديد المعايير، مقابل تحذيرات من الانزلاق نحو محاكمات شعبية غير منضبطة.
الحكم يسلّط الضوء على التوتر بين مسارين متوازيين: مسار يسعى إلى حماية الهوية الأصلية من الاستغلال، وآخر يطالب بضمان عدم انتهاك حقوق الأفراد عبر اتهامات غير مثبتة. كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول دور الأكاديميين وحدود تدخلهم في قضايا تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والاجتماعية والقانونية.
وبينما يُنظر إلى البحث العلمي كأداة لكشف الحقائق، يذكّر هذا الحكم بأن المسؤولية لا تقل أهمية عن الجرأة في الطرح. وتبقى القضية أكثر من مجرد نزاع قانوني؛ إنها مرآة لصراع أعمق داخل المجتمع الكندي حول الهوية والشرعية، ومن يملك حق التعريف. وبينما تستمر تداعياتها، يكرّس الحكم نفسه نقطة تحوّل في رسم حدود الكلام، في زمن باتت فيه الكلمات قادرة على إشعال أوسع المعارك.





