تكنـولـوجيا

كندا في مُواجهةِ هجماتٍ سيبرانيّة تهدّد بنيتهَا الرّقميّة وثقة مُواطنيها

في ظل تصاعد الهجمات السيبرانية على المؤسسات الحيوية حول العالم، تواجه كندا اختبارًا حقيقيًا لحماية بنيتها الرقمية الوطنية، وسط تصاعد ملحوظ في عمليات الاختراق التي تضع الأمن السيبراني للبلاد على المحك. ففي يونيو 2025، سجلت حادثة احتيال إلكتروني فريدة من نوعها بعدما تمكن محتالون من سرقة أكثر من 25,000 دولار كندي من امرأة في أونتاريو، إثر إدخالها معلوماتها البنكية على موقع مزيف يدعي أنه تابع لوكالة الإيرادات الكندية.  هذا الحادث، الذي كشفته “سي بي سي نيوز”، لم يكن إلا مثالًا صارخًا على ضعف الوعي الرقمي ونقاط الضعف الأمنية التي تستغلها مجموعات الجريمة الإلكترونية للتلاعب بالمواطنين بشكل مباشر.

على الرغم من أن هذه الحادثة لم تكن نتيجة اختراق مباشر لأنظمة وكالة الإيرادات، إلا أنها جاءت في سياق تصاعد الهجمات السيبرانية التي تواجهها كندا منذ عدة سنوات، بدءًا من هجمات “حشو بيانات الاعتماد” التي كشفت عنها تقارير أمنية عام 2020، مرورًا بانقطاعات وخروقات أمنية استهدفت شركات اتصالات كبرى مثل “روجرز” و”بيل”، وانتهاء بهجمات برامج الفدية التي ضربت مؤسسات تعليمية وحكومية في السنوات الأخيرة. وفقًا لتقرير نشره مركز أمن الاتصالات الكندي، شهدت البلاد زيادة بنسبة 23% في محاولات الهجوم السيبراني خلال عام 2024 فقط، مع تصاعد حاد في الهجمات الممنهجة التي تستهدف البنى التحتية الحيوية.

في عام 2021، شهدت كندا انقطاعًا واسع النطاق لخدمات شركة “روجرز”، ما أثر على ملايين المستخدمين وأوقف خدمات حيوية، فيما تعرضت في 2022 لهجوم برمجيات فدية استهدف شركة “بيل كندا”، تم من خلاله تسريب بيانات حساسة. أما في 2023، فقد أصابت مجموعة “كلوب” نظام تخزين البيانات الحكومي في نوفا سكوشا، مما أثر على معلومات أكثر من 100,000 موظف حالي وسابق. وفي 2024، أغلقت سلسلة متاجر “لندن دراغز” أبوابها بعد هجوم برمجيات الفدية من قبل مجموعة “لوك بيت” التي هددت بتسريب بيانات العملاء. وفي 2025، تم اكتشاف اختراق بيانات في مجالس مدرسية بمقاطعات متعددة، ما كشف هشاشة حماية البيانات في القطاع التعليمي.

أكثر من 120 ألف ملف ضريبي تضرّر في أكبر اختراق سيبراني تشهده كندا، وسط دعوات عاجلة لتعزيز قدرات الدولة في التصدي للهجمات الرقمية المتزايدة – الصورة لـ آنشورنس بيزنيس مـاق

تُظهر هذه الأحداث المتسلسلة حجم التهديدات التي تواجه كندا، حيث لا تقتصر الهجمات على سرقة البيانات، بل تتجاوزها إلى تعطيل الخدمات الحيوية وسرقة الأموال، مما يفاقم الأزمة ويزيد من الضغط السياسي والمجتمعي على الحكومة.

وزير الأمن العام السابق، دومينيك لوبلان، وصف التهديدات السيبرانية بأنها تطورت من هجمات فردية إلى حملات منظمة تستهدف تعطيل أنظمة حيوية، مؤكدًا ضرورة تحديث الاستراتيجيات وتعزيز التعاون الدولي. في حين يتولى غاري أنانداسانغاري، وزير الأمن العام الحالي، قيادة جهود وطنية لتعزيز القدرات الدفاعية الرقمية، في ظل ازدياد الهجمات المعقدة التي تتطلب استجابات فورية ومدروسة.

رغم الجهود الحكومية، تشير تقارير المراجعة التي أصدرها مكتب المراقب العام في 2025 إلى وجود “ثغرات هيكلية خطيرة” في أنظمة الأمن الرقمي لدى العديد من المؤسسات الفيدرالية، مما يؤكد الحاجة الماسة إلى رفع مستوى التأهب الإلكتروني. وللرد على هذا الواقع، أعلنت حكومة مارك كارني عن خطة وطنية طموحة تشمل تحديث الأنظمة، توسيع فرق الأمن السيبراني، وزيادة ميزانيات الحماية الرقمية بنسبة 30% بحلول نهاية عام 2026.

في الجانب السياسي، أدت هذه الهجمات إلى تآكل ثقة المواطنين في المؤسسات الحكومية، حيث أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “ليجيه” أن 62% من الكنديين فقدوا الثقة في قدرة الحكومة على حماية بياناتهم، ما دفع نواب المعارضة إلى المطالبة بتحقيق برلماني شامل في مستوى التأهب السيبراني، ووصف النائب رايتشيل هاردير الحادثة بأنها “فشل مؤسسي جسيم”.

تجدر الإشارة إلى أن وكالة الاستخبارات الكندية والشرطة الملكية الكندية يقودان تحقيقات مكثفة في الحوادث السيبرانية الأخيرة، بالتعاون مع حلفاء ضمن تحالف “العيون الخمس”، ولكن مصادر أمنية تحذر من أن تعقيد الهجمات وتطور أساليبها قد يصعب الكشف الكامل عن المسؤولين في المستقبل القريب.

يواجه الأمن السيبراني في كندا تحديات متعددة الأبعاد، لا تقتصر على ضعف الأنظمة التقنية فقط، بل تشمل نقص الكوادر المتخصصة، وصعوبات التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمقاطعات، إلى جانب التحديات في رفع مستوى الوعي العام بمخاطر الفضاء الرقمي.

في هذا السياق، يبدو أن كندا تقف على مفترق طرق مصيري. فالهجمات السيبرانية ليست مجرد تحديات تقنية عابرة، بل تهديدات استراتيجية تهدد الأمن الوطني والاقتصاد وثقة المواطنين في حكومتهم. وتعزيز الأمن الرقمي لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية تستدعي استثمارًا مستدامًا، وتحديثًا مستمرًا للبنى التحتية، وبناء قدرات بشرية متقدمة، وتفعيل شراكات دولية وإقليمية لمواجهة هذا التهديد المتنامي.

يُنتظر أن تحدد الأشهر والسنوات القادمة مدى قدرة كندا على الصمود أمام موجات الهجمات المتطورة، وإعادة بناء الثقة الرقمية التي اهتزت بفعل هذه الهجمات المتلاحقة، مع العلم أن الفشل في مواجهة هذا الواقع قد يجر البلاد إلى أزمات أمنية واقتصادية أعمق، لا يمكن التغلب عليها بسهولة.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل