كنـدا الآن

كـارني يُعيد رسمَ ملامِح الجيشِ الكنديّ بإنفاقٍ تاريخيّ ورواتب غير مسبوقة

رفعُ الإنفاقِ العسكرِيّ إلى 62.7 مليار دولار بنسبة 2% من الناتج المحلي وزِيادةُ رواتبِ العسكريّينَ بين 8 و20% وسط تصاعُدِ التزاماتِ الناتو وتزايُدِ تحدّياتِ الأمنِ القوميّ الداخليّ

في خطوة تمثل تحوّلاً بارزاً في السياسة الدفاعية والاقتصادية، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن حزمة دعم غير مسبوقة للقوات المسلحة الكندية، شملت زيادة كبيرة في ميزانية الدفاع وتحسينات واسعة في رواتب العسكريين، تأتي في توقيت حساس يتقاطع فيه الأمن الوطني مع الالتزامات الدولية والديناميكيات الجيوسياسية المتسارعة. هذه القرارات ليست مجرد تحركات داخلية، بل تعكس رؤية استراتيجية لكندا تسعى من خلالها لإعادة تموضعها في خريطة التحالفات الدفاعية، وخصوصاً في ظل ضغوط حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومتطلبات بيئة أمنية متجددة.

أعلن كارني خلال مؤتمر صحفي أن ميزانية الدفاع للسنة المالية 2025-2026 سترتفع إلى حوالي 62.7 مليار دولار كندي، ما يعادل نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يضع كندا على طريق تحقيق التزاماتها داخل الناتو قبل الموعد المحدد بخمس سنوات. وقال كارني: “في عالم يشهد تهديدات متزايدة، لا خيار أمامنا سوى تعزيز سيادتنا وقدرات قواتنا المسلحة لتكون في مستوى التحديات”، مضيفاً أن الحكومة تستثمر “في الإنسان العسكري الذي يحمي كندا ويخدم مصالحها”.

هذا القرار، الذي ترافق مع رفع رواتب الجنود بنسبة تراوحت بين 8% لضباط الرتب العليا و13% لضباط الصف والرتب الوسطى، إلى جانب زيادة 20% في الراتب الابتدائي للمجندين، وتطبيق علاوة جديدة تعتمد على سنوات الخدمة وتؤثر على المعاش التقاعدي، يشكل خطوة استثنائية لمعالجة مشكلات التسرب والتحديات في تجنيد الكفاءات الضرورية في مجالات مثل الهندسة العسكرية والاستخبارات والعمليات السيبرانية. وقال وزير الدفاع ديفيد مكغوانتي:”رفع الأجور هو أكثر من مجرد تحفيز اقتصادي، إنه اعتراف بالتضحيات والتزام بتوفير بيئة عمل مستقرة ومحفزة للجنود وأسرهم”.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يقف بجانب الجنرال جيني كارينيان، رئيسة هيئة الأركان، خلال حدث إعلان مهم يتعلق بالدفاع الوطني في قاعدة القوات المسلحة الكندية في ترينتون، أونتاريو، في الثامن من أغسطس 2025 – الصورة لـ رويترز عبر هيندوستون تايمز

يرى مراقبون أن هذه الإجراءات تأتي كرد فعل حيوي على تغيرات عالمية جذرية، أبرزها الحرب المستمرة في أوكرانيا والتوترات في بحر الصين الجنوبي، مما دفع حلف الناتو إلى تكثيف دعواته للأعضاء لرفع إنفاقهم الدفاعي، حيث اتفق أعضاء الحلف على رفع النفقات إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، مع استهداف نسبة 2% كحد أدنى للتزام كل دولة. وفي هذا الإطار، تعد كندا واحدة من الدول التي كانت أقل إنفاقاً عسكرياً في الحلف، ولكن مع هذه الزيادة فإنها تخطو خطوات مهمة نحو الانضمام إلى الصفوف الأمامية ضمن الالتزامات الدولية. وأكد كارني أن كندا قد شرعت بتنفيذ خطة استثمارية تشمل تخصيص 1.5% من الناتج القومي للاستثمارات الأمنية والبنية التحتية، ضمن استراتيجية متكاملة لتعزيز الأمن القومي.

ومنذ إعلان هذه الخطوات، ظهرت علامات على تحول في العقيدة الدفاعية الكندية، حيث تتجه البلاد إلى تقليل اعتمادها التقليدي على الولايات المتحدة في المجال العسكري، وتعزيز قدراتها الذاتية في مجالات تتسم بأهمية متزايدة كالأمن السيبراني والفضاء. ويشير تقرير معهد “ماكدونالد-لورير” إلى أن كندا تواجه تحديات في تحقيق توازن بين التزاماتها الدولية واحتياجاتها الداخلية، خصوصاً في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد الطلب على الخدمات الاجتماعية.

في سياق اقتصادي، رافقت الزيادة في الإنفاق الدفاعي حزمة استثمارات محلية بقيمة 9 مليارات دولار كندي تستهدف تطوير الصناعات الدفاعية، وبناء طائرات حديثة، ومركبات مدرعة، وتعزيز البنية التحتية الرقمية والتكنولوجية الحديثة، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. وخصصت الحكومة أيضاً 2.1 مليار دولار لإنشاء استراتيجية صناعية دفاعية، تهدف إلى تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب وتوسيع الشراكات الدولية، بما يحقق تنمية اقتصادية مستدامة ويخلق فرص عمل في قطاع الدفاع.

جندي كندي يفكك طائرة مسيرة خلال تدريب في إينوفيك، الإقليم الشمالي الغربي. مع إعلان وزير الدفاع ديفيد مكغوانتي عن خطة كندا لزيادة الإنفاق الدفاعي، تبرز أهمية تعزيز القدرات العسكرية لمواجهة التحديات المستقبلية – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر ذا غلوب آند مايل

وتباينت ردود الفعل السياسية، إذ رحب حزب المحافظين بزيادة الإنفاق، لكنه انتقد تأخر الحكومة في الاستجابة للتحديات الأمنية، في حين عبّر حزب “كيبيكوا” عن قلقه من مصادر تمويل الإنفاق، مؤكدًا على ضرورة تمويل مستدام دون زيادة في الدين العام. من جهته، أكد الحزب الديمقراطي الجديد أهمية الحفاظ على الميزانيات الاجتماعية وعدم المساس بها رغم الحاجة لتعزيز الدفاع. وفي استطلاع أجرته مؤسسة “أنغوس ريد”، أظهر 54% من الكنديين تأييدًا لرفع أجور القطاعات الحيوية، في مقابل 41% فقط دعموا زيادة الإنفاق العسكري، مما يعكس انقسامًا شعبيًا حول الأولويات.

كما أعلنت الحكومة عن مبادرات لتعزيز الوجود العسكري في المناطق الشمالية الحساسة، حيث يُتوقع أن تزداد أهمية الممرات البحرية في القطب الشمالي مع ذوبان الجليد. وتضمنت هذه الخطوات شراء رادار مراقبة متطور بقيمة 6 مليارات دولار كندي، بالإضافة إلى تخصيص 420 مليون دولار لتعزيز القدرات العسكرية في البيئات القاسية، في ظل تنافس متصاعد مع روسيا والصين والولايات المتحدة على الموارد والموقع الاستراتيجي.

وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال حول قدرة الحكومة على الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن الوطني والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما مع فقدان 40,800 وظيفة في يوليو وحده وارتفاع معدل البطالة إلى 6.9%. ويقول الخبير في السياسات العامة أليكس مارتن:”التحدي الحقيقي هو تحقيق استدامة الإنفاق الدفاعي دون الإضرار بالبرامج الاجتماعية الحيوية، وهو ما يتطلب إدارة حكيمة وشفافة”.

على المستوى السياسي، يستخدم كارني ملف دعم القوات المسلحة كحجر أساس لتثبيت موقع حكومته قبيل أي استحقاق انتخابي محتمل، مستهدفًا توسيع قاعدة الدعم بين العسكريين الحاليين والمتقاعدين، والمجتمعات التي تستفيد اقتصادياً من الصناعات العسكرية. ومع ذلك، يواجه هذا التوجه مخاطر إذا ما تراجعت التهديدات الدولية أو ضغطت التحديات الاقتصادية على الحكومة لإعادة النظر في الإنفاق.

إن سياسة كارني في رفع ميزانية الدفاع وتحسين أوضاع العسكريين ليست فقط استجابة داخلية، بل تعبير عن استراتيجية شاملة لإعادة تموضع كندا في المنظومة الأمنية الدولية، خصوصًا في إطار حلف الناتو والتحولات الجيوسياسية. نجاح هذه الاستراتيجية سيقاس بمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه الاستثمارات إلى جاهزية عسكرية مستدامة، والتوازن بين الأمن والتنمية الاجتماعية في ظل بيئة عالمية متقلبة.

جنود كنديون يواصلون تدريباتهم المكثفة لتعزيز الجاهزية القتالية وحماية الحدود الشمالية من التهديدات المحتملة، خاصة في ظل تصاعد التحديات من جانب روسيا، وذلك ضمن استراتيجية كندا لتعزيز أمنها الوطني والوفاء بالتزاماتها الدولية تجاه حلف الناتو – الصورة لـ موقع دجاست سيكيريتي

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل