النساءُ يهيمنّ على قطاع الزّراعة في كندا
ارتفاع عدد النّساء العاملات في إدارة المزارع بكندا إلى 80 ألفا في 2021، ووسائل التّواصل الاجتماعي أداة جديدة لجذبهنّ
“ثورة نسوية فلاحية” غير مسبوقة تشهدها كندا للمرة الأولى في تاريخها بعد تسجيلها ارتفاعاً في اليد العاملة النسوية بمجال الزراعة، على الرغم من تراجع اليد العاملة بهذا المجال في كندا خلال العقد الأخير.
ووفق ما نقله موقع شبكة “سي بي سي” نقلا عن إحصاءات حكومية، فقد أظهرت البيانات بأن عدد العاملين في المزارع من الإناث قد سجل ارتفاعاً عام 2021 للمرة الأولى منذ 1991، مما يشير إلى أن مشاركة المرأة الكندية في الزراعة شهد تزايدا لكن ليس في الكم فحسب، بل حتى مساهماتها النوعية.
شبح تغير المناخ
وقبل هذه الفترة أورد تقرير كندي آخر معلومات وأرقام تحدث عن نقص اليد العاملة “الفادح” بقطاع الزراعة، وحتى تراجع عدد مساحات المزارع.
وبعنوان “ما يعنيه تغير المناخ للوظائف في مجال الغذاء والزراعة في كندا”، كشف تقرير لـ “المنظمة الخيرية الوطنية” الكندية التي تعمل في مجال تطوير المهنة بكندا عن أن قطاع الزراعة والغطاء في كندا يوظف أكثر 2.3 مليون شخص، ومسؤول عن وظيفة واحدة من كل 8 وظائف، نقلا عن تقرير لوزارة الزراعة والأغذية الكندية من 2016 إلى 2019.
وأشار تقرير المنظمة المعروفة اختصارا بـ”سيريك” إلى أن القطاع ينتج أكثر من 10 بالمائة من انبعاثات الغازات الدفيئة.
ولفت كذلك إلى أن “تفاقم تغير المناخ أحدث تحديات في سوق العمل، وبأنه يجب أن تؤخذ آثار تغير المناخ على وظائف الغذاء والزراعة في الاعتبار ضمن سياق سوق العمل المتدهور بالفعل”.
وكشف عن تراجع المجتمعات الريفية الكندية ما تسبب في مواجهة قطاع الغذاء والزراعة نقصاً في سوق العمل، مبرزا أسباب ذلك في “هجرة الشباب، وشيخوخة السكان، وتراجع عدد السكان، وإغلاق الخدمات الاجتماعية”.
ولفت تقرير المنظمة إلى أن “المجتمعات الريفية الكندية في حالة تراجع”، واستندا إلى تقرير “مجلس المؤتمرات الكندي” الصادر في 2016 الذي تحدث عن نقص العمالة في قطاع الزراعة، والذي قد تضاعف خلال العقد الماضي.
وتوقع تقرير المجلس في المقابل استمرار نقص اليد العاملة بـ “مقدار الضعف” خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 113.800 شخصاً، رغم أن هناك 4 وظائف متاحة لكل خريج في مجال الغذاء والزراعة بكندا، بحسب ما نقله تقرير “سيريك” عن شبكة سينثيسيس للزراعة والغذاء.

المرأة تغير المعادلة
وبمقارنة ما ورد في شبكة “سي بي سي”، ومع الإحصاءات والتوقعات السابقة الحكومية وللمنظمات غير الحكومية في كندا، يبدو أن النساء الكنديات شرعن في تغيير معادلة الزراعة بكندا، حتى إن الشبكة الإخبارية أشارت إلى “أنهن لم يكن يعرفن كيف انتهى بهن الأمر للقيام بالأعمال الزراعية”.
واستنادا إلى إحصائية قدمتها “سي بي سي” نقلا عن تقرير إحصاءات كندا، فقد وصل عدد مشغلات المزارع من الإناث في 2021 إلى 79.795 ألف بنسبة 30 بالمائة من إجمالي مشغلي المزارع.
فيما كان العدد كان 77.970 في 2016، وهو ما يمثل نسبة 28 في المائة في عام 2016.
“بيني ملير” واحدة من اللواتي وجدن أنفسهن يكبرن في مجال الزراعة بكندا منذ أن كانت في سن العاشرة من عمرها، كونها من عائلة امتهنت تربية الأبقار والعجول في أثاباسكا، ألبرتا، وكان والدها أيضا موظفاً بمجال الغابات، فيما أخويها الأكبر سناً يستدعون بانتظام لوظائف خارج مجال الزراعة.
ونتيجة لهذه الظروف العملية العائلية، وقعت مسؤولية تشغيل المزرعة في الغالب على “بيني” ووالدتها، وسطرت في الوقت ذاته “حياتهما التعليمية”، تقول “بيني” لـ “سي بي سي”.
وأعطت “بيني” بعض الفضل في ذلك لوالدتها التي لم تنشأ في المزرعة ولم تكن معتادة على الحياة الريفية من حيث العمل مع الأبقار وتشغيل الجرار وأشياء من هذا القبيل بحسب تعبيرها للمصدر الإعلامي ذاته.
وقالت لـ”سي بي سي”: ” هنالك الكثير من النساء اللواتي كن كذلك، أليس كذلك؟ لم يكن يعرفن كيف انتهى بهن الأمر إلى القيام بذلك.”
وكشف عاملون في مجال الزراعة بألبرتا لشبكة “سي بي سي” عن أن معدل العاملات الإناث في المجال لا يزال في منحنى تصاعدي كل عام.
بالنسبة لأولئك مثل ميلر، تذكر “سي بي سي” بأن النساء كن دائما هناك يعملن جنباً إلى جنب مع العاملين الذكور التقليديين، وإن كان ذلك غالبا بطرق غير رسمية.
ووفق الشبكة الإعلامية دائما نقلا عن خبراء، فإنه مع بدء تولي النساء تدريجياً أدوارا رسمية ودائمة أكثر في الزراعة على مدار العقود الماضية، فإن وجودهن لا ينعكس فقط في الأرقام، بل إنهن يُغيرن طبيعة الصناعة نفسها.
ورغم ذلك، أقرت كارمن بيزديرك الموظفة في مؤسسة خدمات التمويل الزراعي بـ “عدم وجود اعتراف رسمي بمساهمات المرأة”، وفق ما ذكرته لـ “سي بي سي”.
ومؤسسة خدمات التمويل هي منظمة تُقدم للمزارعين والشركات الزراعية القروض وتأمين المحاصيل، وتدابير أخرى لاستقرار دخل المزارع.
ترى كارمن في حديثها لـ”سي بي سي” بأن “النساء لعبن دورا كبيرا في الزراعة، ومع ذلك لم يتم الاعتراف رسميا بمساهماتهن لفترة طويلة، لقد كن دائمًا موجودات”.
ولفتت أيضا إلى أن المزيد من المزارع بدأت تضع العمليات والقروض بأسماء النساء.

علقت بيزديرك أيضا لـ”سي بي سي” عن الإحصاءات التي أظهرت ارتفاع اليد العاملة النسوية في الزراعة بكندا، بأنها “شهدت استمرار هذا الاتجاه، خصوصا في شكل النساء اللواتي يتولين عمليات الزراعة العائلية”.
وكشفت عن أن مؤسسة خدمات التمويل شهدت زيادة بمشاركة النساء في خطط انتقال المزارع في السنوات الأخيرة مع تقدم جيل قديم من المزارعين في السن.
وقالت بهذا الخصوص: “عندما كنت أكبر، كان الأمر عادةً يتعلق بسؤال مثل: أي ابن سيتولى إدارة المزرعة، وليس ما إذا كانت ابنة أو أي عضو آخر من هذا الجيل القادم، بغض النظر عن الجنس، أو إذا كانوا الأنسب لإدارة الأمور، ما نراه هو أن هذا يتغير”.
وأطلقت المنظمة في 2022 جائزة للنساء في الزراعة لتكريمهن وتقديرهن والتشجيع على هذا التحول بقطاع الزراعة، ولمسايرتهن في هذا الأفق الجديد كما قالت بيزديريك لـ”سي بي سي”.
أليكس بولويكي من مجموعة “الشباب الزراعيين” التي تساعد في دعم المزارعين خلال بداية مسيرتهم، كشف لـ”سي بي سي” بأن أكثر من 50 في المئة من الأشخاص الذين يدخلون برامجهم هن نساء، مع قدوم العديد منهن من خلفيات غير زراعية.
وقال إن “هناك الكثير من الفرص لمشاركة تجربتك الزراعية وما تتضمنه الزراعة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وأشياء من هذا القبيل، وكلما أظهرت النساء أنفسهن كمزارعات، زادت النساء الأخريات اللواتي يفكرن، انتظر، يمكنني القيام بذلك أيضًا.”
“نعيم” مواقع التواصل
ويبدو أن لمواقع التواصل “دورا سرياً” ليس في إنقاذ قطاع الزراعة بكندا فقط، بل في جذب اليد العاملة النسوية إلى الأرض وإقناعها بالعمل في الزراعة، إذ تلجأ “العائلات الزراعية” إلى اعتماد صفحات على مواقع التواصل لنشر تجاربها الزراعية.
شارلوت فاسيليك تساعد في إدارة مزرعة شاتسوورث جانب أفراد عائلتها، وهي المزرعة الواقعة شمال فيرمليون، ألبرتا، وتربي الأبقار والأغنام والخنازير والدواجن إلى جانب الحبوب.
شارلوت ذكرت شارلوت لـ”سي بي سي” عن ارتفاع عدد متابعي صفحة مزرعة العائلة على انتسغرام إلى 13.000 متابع، وتتكفل أيضا شارلوت بإدارة الصفحة.
وكل شهر، تقوم فاسيليك ووالدتها برحلات إلى إدمونتون وكالغاري لبيع صناديق من اللحم والبيض الطازج، بحسب ما نقلته “سي بي سي”.
حيث قالت شارلوت: “أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي هي مساحة رائعة للنساء ونحن نقوم بذلك بشكل جيد حقاً… يمكننا فقط جعل الناس يقدرون ما نقوم به وهم متحمسون للتعلم منا أو مشاهدتنا والتواصل معنا.”
وذكرت “سي بي سي” أن المبيعات المباشرة للمستهلكين تمثل جزءًا أكبر من القيمة التشغيلية الإجمالية للمزارع الصغيرة، لا سيما تلك التي تحقق أقل من 10,000 دولار في المبيعات سنوياً.
تغيير الذهنية الجماعية
ويرى خبراء كنديون نقلا عن “سي بي سي” بأن النساء اللواتي يتولين أدوار القيادة ليس فقط في العمليات الزراعية اليومية بل حتى في مجالات التسويق وأشكال الزراعة الجديدة، مثل الزراعة المستدامة، بأن ذلك يعني “أنهن يغيرن النظرة الاجتماعية لما يبدو عليه المزارع التقليدي”، ويتحدين الأدوار الراسخة في الأذهان”.
وقالت فاسيليك لـ”سي بي سي” إنها لم تشك أبدًا في قدرتها على الزراعة لأنها امرأة، وعزت ذلك إلى وجود مرشدات قويات في حياتها ووالدين داعمين.
أما بيني ملير التي ترعرت في أرض زراعية، فقد قدمت أيضا نموذجاً آخر لا يقل نجاحاً، حيث أنها تدير اليوم مزرعة لتربية 250 رأساً من الأبقار بالقرب من المنطقة التي نشأت فيها.
وقالت ميلر لـ”سي بي سي”: من الأفضل أن تكون المرأة في مجال الزراعة الآن مقارنةً بوقت والديها، لكن التحديات لا تزال موجودة”.




