الشــرق الأوســط

بعد وقفِ إطلاق النّار في غزّة: أزمةُ مأوى وجوع وبرد تُحاصر سكّان القطاع

رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في قطاع غزة، يزداد المشهد الإنساني قتامة يومًا بعد آخر، في ظل استمرار معاناة آلاف الأسر الفلسطينية التي وجدت نفسها بلا مأوى داخل مخيمات النزوح، نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي.

ففي كل صباح، تستيقظ العائلات على واقع مأساوي جديد، حيث تفقد بعض الأسر أبنائها بسبب نقص الغذاء والأدوية والمياه، بالتوازي مع القيود المستمرة التي يفرضها الاحتلال على إدخال المساعدات الإنسانية، في إطار حصار خانق ما زال يطوق القطاع. ومع دخول فصل الشتاء، تفاقمت الأزمة بعد أن تسببت المنخفضات الجوية في إتلاف مئات الخيام غير القادرة على مواجهة الظروف المناخية القاسية، ما زاد من معاناة النازحين ورفع معدلات الوفيات داخل المخيمات.

ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سجلت مجموعة إدارة المواقع أكثر من 16 ألف حالة نزوح في مختلف أنحاء القطاع، مقارنة بأكثر من 20 ألف حالة خلال الأسبوع السابق. وانتقل معظم النازحين، وعددهم نحو 16 ألف شخص، من جنوب القطاع إلى شماله، فيما شكّلت الحالات المتبقية نزوحًا عكسيًا باتجاه الجنوب أو من شرق مدينة غزة إلى وسطها. ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز السريان في 10 أكتوبر الماضي، سُجل أكثر من 794 ألف حالة نزوح من جنوب غزة إلى شمالها.

وفي السياق ذاته، أفاد جهاز الدفاع المدني الفلسطيني بنقل 146 جثمانًا إلى إدارة الطب الشرعي تمهيدًا لدفنها في مقابر رسمية، فيما ما تزال العديد من الأسر تفتقر إلى معلومات حول مصير أقاربها المفقودين، بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وفي 8 ديسمبر الحالي، أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني نداءً عاجلًا لتأمين 4.06 مليار دولار لتلبية الاحتياجات الإنسانية لما يقرب من 3 مليون شخص من أصل 3.62 مليون شخص بحاجة ماسة للمساعدة في غزة والضفة الغربية.

طفل فلسطيني يشق طريقه بين خيام غارقة في المياه، حاملاً أغراضه على ظهره وسط الدمار والفيضانات، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية للنازحين في قطاع غزة، حيث تحوّلت الخيام المتهالكة إلى مأوى هشّ في مواجهة الشتاء القارس ونقص المساعدات الإنسانية – الصورة لـ رويتـرز

معاناة مستمرة للنازحين

حول أوضاع النازحين داخل المخيمات، أوضح الصحفي إبراهيم أبو مرسة لـ “هنا كندا” أن الظروف الإنسانية صعبة للغاية: “معاناة كبيرة لم تتوقف منذ الحرب الإسرائيلية على القطاع، وحتى هذه اللحظة. وبسبب المنخفض الجوي، أغرقت الأمطار آلاف الخيام، وارتفعت نسبة الوفيات بين الأطفال، حيث توفي 13 طفلاً نتيجة البرد القارس خلال الليل”.

وأضاف الصحفي عبد الهادي أبو قنيص أن الوضع الميداني لا يشهد أي تحسن يُذكر: “المجال الطبي واللوجستي والغذائي يعاني من نقص حاد، إضافة إلى انتشار الأمراض وإتلاف شبكات الصرف الصحي والكهرباء”.

ويعكس الواقع اليومي صورة أكثر قسوة، إذ يخرج الأطفال صباحًا بحثًا عن الطعام والمياه، بدلًا من التوجه إلى المدارس. فقد تحولت حياتهم من مقاعد الدراسة إلى التنقل بين مراكز الإيواء المؤقتة “التكايا” للحصول على وجبة واحدة في اليوم، في مشهد يعكس حجم الانهيار الإنساني داخل المخيمات.

تفاقم الأوضاع الصحية

تزداد الأزمة حدة مع انتشار الأمراض، خصوصًا الجلدية، في مختلف مناطق قطاع غزة. وتعيش بعض الأسر قرب مكبات النفايات وشبكات الصرف الصحي، بعد أن دُمرت منازلهم ولم يعد لديهم مأوى آخر. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو مليون نازح فلسطيني يعيشون داخل المخيمات منذ وقف إطلاق النار.

وتتعدد الأزمات، لا سيما في شمال القطاع وأجزائه الجنوبية، وتحديدًا في بلدات بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا، إضافة إلى مدينة رفح جنوبًا. وتعاني هذه الأسر من نقص حاد في الغذاء والمياه والمستلزمات الطبية، في ظل شح الخيام والكرفانات والمساكن المتنقلة.

كما أفادت المصادر الطبية الفلسطينية بأن النقص في المستلزمات الطبية واضح، بالتوازي مع تدمير العديد من المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، خصوصًا في جباليا، من بينها مستشفى الشهيد كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي، إضافة إلى مستشفيات أخرى تعمل بإمكانيات محدودة مثل مستشفى الشفاء المركزي ومستشفى القدس.

استمرار العمليات العسكرية وتأثيرها

تشير المصادر إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة في رفح منذ أكثر من عام، وأسفرت عن هدم آلاف المنازل وتدمير البنية التحتية، بما فيها المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية. ويعاني السكان من نقص حاد في المواد الغذائية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار ومنع إدخال المساعدات، رغم الضغوط الدولية المستمرة على الجانب الإسرائيلي.

وتؤكد المصادر الطبية الرسمية أن عدد الشهداء تجاوز 71 ألفًا، إلى جانب المفقودين تحت الأنقاض، فيما تجاوز عدد الجرحى 170 ألفًا، أغلبهم إصاباتهم خطيرة نتيجة العمليات العسكرية. وتبقى المعاناة قائمة في ظل عدم التزام الاحتلال بالاتفاقيات الموقعة، من بينها اتفاق شرم الشيخ بين حركة حماس والجانب الإسرائيلي قبل أكثر من شهرين.

تعليق إسرائيل على عمل المنظمات الإنسانية، بما في ذلك “أطباء بلا حدود”، يعكس سياسات تقيد وصول المساعدات وتزيد من معاناة المدنيين في غزة. وفي مشهد يوضح ثمن هذا القرار، يتجمع فلسطينيون وأطفال في خان يونس لتلقي وجبات ساخنة وسط خيام غارقة بالمياه، بينما تبقى احتياجاتهم الأساسية محجوبة بسبب القيود – الصورة لـ غيتي إيماجيس | آناضول عبر لوس آنجلوس تايمز

هشاشة الأوضاع الإنسانية

قال المتحدث باسم وكالة الأونروا عدنان أبو حسنة لـ”هنا كندا”: “الأوضاع في قطاع غزة سيئة للغاية، وداخل المخيمات أصعب، حيث كشف المنخفض الأخير عن هشاشة الوضع الإنساني نتيجة عدم توفر أماكن إيواء عاجلة”.

وأضاف أن هناك نقصًا بمئات آلاف الخيام، وأن معظمها بالية ومنتهية الصلاحية، إذ انتقلت مع النازحين عشرات المرات، ومعظمها مصنوع من البلاستيك والقماش. وأوضح أن الوكالة تمتلك 6 آلاف شاحنة محملة بسلال غذائية تكفي مليون ومائة ألف فلسطيني، بالإضافة إلى خيام وأغطية تكفي مليون وثلاثمائة ألف فلسطيني، إلا أن إسرائيل تمنع دخولها.

وأشار أبو حسنة إلى وجود 85 مركز إيواء تؤوي نحو 80 ألف فلسطيني، فيما يعيش مئات آلاف آخرون في محيط هذه المراكز داخل خيام. وأوضح: “في مختلف مناطق قطاع غزة، يوجد نحو مليون ونصف المليون فلسطيني في الشوارع أو قرب البيوت المدمرة أو مراكز الإيواء”.

جهود الوكالة التعليمية والصحية

أعادت الأونروا إطلاق العملية التعليمية، حيث يتلقى نحو 70 ألف طالب التعليم الوجاهي مقابل 300 ألف طالب عن بُعد، يعمل معهم 8 آلاف معلم. وفي القطاع الصحي، افتتحت الوكالة عيادات جديدة في مدينة غزة وشمالها، تستقبل يوميًا نحو 16 ألف مريض، إلى جانب توزيع المياه الصالحة للشرب وترحيل مئات آلاف الأطنان من النفايات الصلبة. كما نفذت فرق الدعم النفسي نحو مليون استشارة منذ السابع من أكتوبر، و15 مليون استشارة طبية في العيادات.

ومع استمرار القيود والحصار، تتزايد الحاجة إلى تحرك جاد من المنظمات الدولية والإنسانية، لتخفيف معاناة الفلسطينيين وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية قسوة في العصر الحديث.

كاتب

مهـيبة بين

صحفية متخصصة في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل