كندا والدول الإِسكندنافيّة تطلق تحالفًا استراتيجيًّا لتعزيز التنسيق الدّفاعي في القطب الشّمالي
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، برزت مبادرة دفاعية جديدة تجمع كندا مع خمس دول من شمال أوروبا في محاولة لإعادة رسم ملامح التعاون الأمني بين ما يُعرف بـ”القوى المتوسطة”. هذه المبادرة، التي نوقشت خلال اجتماع قادة كندا ودول الشمال الأوروبي في العاصمة النرويجية أوسلو، تعكس توجهاً متزايداً لدى عدد من الاقتصادات المتقدمة لتعزيز التنسيق الدفاعي والصناعي في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، ولا سيما في منطقة القطب الشمالي التي باتت تمثل إحدى أبرز ساحات التنافس الاستراتيجي في العالم.
وضم الاجتماع كندا إلى جانب النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وآيسلندا، في خطوة وصفتها تقارير إعلامية بأنها محاولة لتأسيس إطار تعاون دفاعي جديد يقوم على تعميق التنسيق في مجالات المشتريات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية وأمن البنية التحتية الحيوية. ونقلت وكالة الأنباء رويترز عن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قوله خلال اللقاء إن “الدول المتوسطة تحتاج إلى العمل معاً بشكل أوثق في عالم يزداد تعقيداً”، في إشارة إلى التحولات التي يشهدها النظام الدولي وتراجع قدرة التحالفات التقليدية وحدها على التعامل مع التحديات الأمنية الجديدة.
وتأتي هذه المبادرة في سياق متغيرات عميقة تشهدها البيئة الأمنية الدولية، حيث أدت الحرب في أوروبا الشرقية وتصاعد المنافسة في القطب الشمالي إلى دفع عدد من الحكومات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.
وتبدو كندا، التي تمتلك واحداً من أطول السواحل القطبية في العالم، معنية بشكل خاص بتعزيز تعاونها مع شركائها في الشمال الأوروبي لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية في منطقة تزداد أهميتها الاستراتيجية. فقد أشارت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير تحليلي إلى أن الحكومة الكندية أعلنت خطة استثمارية ضخمة لتطوير بنيتها الدفاعية في الشمال تصل قيمتها إلى نحو 35 مليار دولار كندي، تشمل تحديث قواعد جوية وبناء مرافق لوجستية جديدة وتعزيز قدرات المراقبة البحرية والجوية في المناطق القطبية. ووفق التقرير نفسه، فإن هذه الاستثمارات تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية السيادة الكندية في الشمال وتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين الذين يواجهون تحديات أمنية مماثلة في المناطق القطبية والبحرية.

القطب الشمالي محور متنامٍ للتعاون الدفاعي
ولا يقتصر التعاون بين كندا ودول الشمال الأوروبي على الجانب العسكري البحت، بل يمتد إلى التنسيق الصناعي والتكنولوجي في مجال الصناعات الدفاعية. فالدول الست تبحث في إمكانية تنسيق برامج التسلح وتوحيد بعض عمليات شراء المعدات العسكرية، وهو ما قد يسمح بتقليل التكاليف وتحقيق كفاءة أكبر في الإنتاج الدفاعي.
ونقلت رويترز عن رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن قولها إن “تعزيز التعاون الدفاعي والصناعي بين الدول المتقاربة في القيم والمصالح أصبح ضرورة في البيئة الأمنية الحالية”، مضيفة أن التنسيق في مجال الإنتاج العسكري يمكن أن يعزز قدرة الدول الأوروبية والكندية على مواجهة التهديدات المستقبلية.
وفي السياق ذاته قال رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره في تصريحات نقلتها الوكالة نفسها إن “الدول المتوسطة تحاول إيجاد مسار جديد للتعاون في عالم يتسم بقدر غير مسبوق من عدم اليقين”، في إشارة إلى إدراك متزايد لدى هذه الدول بأن التحديات الأمنية الراهنة تتطلب مستويات أعلى من التنسيق بين الحلفاء.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية متزايدة في ظل الدور المتنامي للقطب الشمالي في المعادلات الجيوسياسية العالمية. فالمنطقة التي كانت لعقود طويلة هامشية في الحسابات الاستراتيجية أصبحت اليوم محط اهتمام متزايد بفعل التغير المناخي وذوبان الجليد، الأمر الذي يفتح طرقاً بحرية جديدة ويتيح الوصول إلى احتياطات كبيرة من الموارد الطبيعية.
وفقًا لصحيفة فاينانشال تايمز، يُشكّل القطب الشمالي نحو 40 في المئة من مساحة كندا الإجمالية، في حين يقطنه حوالي 150 ألف نسمة فقط، معظمهم من مجتمعات السكان الأصليين. وتمنح هذه المعطيات الجغرافية الشمال الكندي أهمية استراتيجية متزايدة لصانعي القرار في أوتاوا، خصوصًا مع تصاعد النشاط العسكري والاقتصادي للقوى الكبرى في المنطقة.
وفي هذا السياق قال مارك كارني إن “كندا دولة قطبية بطبيعتها، وتعزيز التعاون الدفاعي مع شركائنا في الشمال يشكل جزءاً أساسياً من حماية أمننا وسيادتنا”.

تنافس دولي متزايد في المنطقة القطبية
ولا يقتصر الاهتمام بالقطب الشمالي على كندا ودول الشمال الأوروبي، بل يشمل أيضاً قوى دولية أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها في المنطقة، وهو ما يضفي على المبادرة الكندية ـ الشمالية بعداً استراتيجياً أوسع. وتشير تقارير إعلامية وأمنية غربية إلى أن روسيا عززت خلال السنوات الأخيرة وجودها العسكري في المنطقة القطبية عبر تحديث قواعدها الجوية والبحرية، في حين أبدت الصين اهتماماً متزايداً بالاستثمار في مشاريع البنية التحتية والطاقة في المنطقة.
وقد دفعت هذه التطورات عدداً من الدول الغربية إلى تعزيز تعاونها الأمني في الشمال في محاولة للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في منطقة يُتوقع أن تزداد أهميتها خلال العقود المقبلة.
وفي موازاة البعد العسكري، يبرز البعد الاقتصادي والصناعي كأحد أهم دوافع التعاون بين كندا ودول الشمال الأوروبي. وتسعى الحكومة الكندية إلى توجيه نحو 70 في المئة من العقود الدفاعية الجديدة إلى الشركات المحلية، وهو ما قد يضيف أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً إلى إيرادات قطاع الصناعات الدفاعية الكندي. ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز القدرات الصناعية المحلية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في القطاعات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي.
وفي الوقت ذاته، يمكن للتعاون مع دول الشمال الأوروبي، التي تمتلك خبرة متقدمة في مجالات التكنولوجيا العسكرية والأنظمة البحرية والفضائية، أن يفتح المجال أمام مشاريع صناعية مشتركة في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة البحرية والتقنيات السيبرانية.

تحالف الشمال وإعادة تشكيل شبكة التحالفات الدولية
وتأتي هذه المبادرة الدفاعية أيضاً في سياق مساعي كندا لتنويع علاقاتها الاستراتيجية خارج إطار الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة. فبحسب تقديرات اقتصادية متداولة، تتجه نحو 75 في المئة من الصادرات الكندية إلى السوق الأمريكية، وهو ما يجعل الاقتصاد الكندي مرتبطاً بشكل وثيق بجارته الجنوبية.
غير أن التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية دفعت أوتاوا إلى البحث عن شركاء إضافيين يمكن أن يساهموا في تحقيق قدر أكبر من التوازن في علاقاتها التجارية والدفاعية. وقد أشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى أن التعاون المتزايد مع دول الشمال الأوروبي يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع شبكة الشراكات الكندية مع الاقتصادات المتقدمة في أوروبا وآسيا.
وفي خضم هذه التحولات، أكد القادة المشاركون في اللقاء أهمية استمرار الدعم الدولي لأوكرانيا في مواجهة الحرب المستمرة هناك، معتبرين أن الأمن الأوروبي لا يمكن فصله عن الاستقرار في بقية مناطق العالم.
وجاء في بيان مشترك لوزراء خارجية دول الشمال الأوروبي وكندا، نشرته وزارة الخارجية الكندية، أن “أمن أوكرانيا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن الأوروبي والأطلسي”، في إشارة إلى استمرار التزام هذه الدول بدعم كييف سياسياً وعسكرياً.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التعاون الدفاعي بين كندا ودول الشمال الأوروبي يتجاوز كونه مجرد مبادرة تقنية تتعلق بالمشتريات العسكرية أو التنسيق الصناعي. فالمبادرة تعكس تحولاً أعمق في طريقة تفكير الدول المتوسطة بشأن دورها في النظام الدولي، حيث تسعى هذه الدول إلى بناء شبكات تعاون مرنة تعزز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية في عالم يشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى.
وبينما لا يشير هذا التعاون إلى إنشاء تحالف عسكري جديد على غرار حلف شمال الأطلسي، فإنه يمثل خطوة مهمة نحو إعادة صياغة أنماط التعاون الاستراتيجي بين عدد من الاقتصادات المتقدمة التي تشترك في المصالح والقيم نفسها. وإذا ما استمرت هذه المبادرة في التوسع خلال السنوات المقبلة، فقد تتحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الأمني الذي يتشكل تدريجياً في عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة والنفوذ.




