مجتمع

أَزمةُ المياه غير الصّالحة تعمّقُ العُزلة وتُغذّي مخاوف تفشّي الأَمراض في المُجتمعات الأَصليّة بكندا

في بلد يُعرف عالميًا بوفرة موارده وأنهاره المائية، ويضم ثالث أكبر احتياطي للمياه العذبة في العالم، تظل أزمة المياه في المجتمعات الأصلية في كندا واحدة من أكثر التناقضات الإنسانية المثيرة للقلق. وبينما تصل المياه النظيفة إلى صنابير المدن الكبرى بلا انقطاع، يضطر سكان العديد من المجتمعات الأولى إلى غلي مياه الشرب يوميًا أو الاعتماد على شاحنات المياه المعبأة لتلبية أبسط احتياجاتهم اليومية، ما يبرز هشاشة البنية التحتية وعمق الأزمة المعيشية لهذه المجتمعات.

أعلنت أمة “كاشيشيوان الأولى”، الواقعة على ساحل خليج جيمس بإقليم أونتاريو، حالة الطوارئ بعد تعطل نظام معالجة المياه، ما ترك أكثر من 2300 نسمة بلا ماء جارٍ. وقال زعيم المجتمع، حوزيا ويسلي، لـ “سي بي سي نيوز”: “لا يمكننا التأكد من موعد استئناف إنتاج المياه الطبيعية. أولويتنا سلامة السكان، ونتخذ كل خطوة لضمان وصولهم إلى مياه شرب آمنة.”

تعتمد بعض الأسر على المياه المعبأة أو جمع مياه نهر ألبياني وذوبان الثلوج لأغراض الطهي والنظافة. واصفًا الوضع، قال تايسون ويسلي، المدير التنفيذي للمجتمع: “يشبه الأمر العودة إلى الأيام التي لم يكن لدينا فيها ماء جارٍ. كل مشكلة صغيرة تتحول إلى أزمة كبيرة في معالجة المياه. تخيل أن الأسرة لا تستطيع استخدام المرحاض أو غسل يديها – مخاطر الأمراض ترتفع بشكل كبير”.

التضاريس القاسية تحاصر المجتمعات النائية

تقع معظم هذه المجتمعات في مناطق نائية ومعزولة، ما يزيد من صعوبة التعامل مع أي أزمة. فـ “أمة كاشيشيوان الأولى” لا يمكن الوصول إليها إلا عبر طرق محدودة أو رحلات جوية داخلية، ما يجعل أي تدخل عاجل تحديًا لوجستيًا كبيرًا. أما كوغاروك، في أقصى شمال كندا، فهي منطقة أرخبيلية شبه قطبية، ولا يُمكن الوصول إليها إلا جوًا، حيث تبعد الخدمات المدنية الأساسية آلاف الكيلومترات عن السكان.

وفي “أمة بيميشيكاماك كري”، الواقعة على ضفاف نهر نيلسون شمال مانيتوبا، تتجمد الطرق والممرات خلال فصل الشتاء، فيُجبر السكان على الاعتماد على القوارب أو الطرق الجليدية أو الطيران للتنقل. هذه العزلة الجغرافية تجعل البنية التحتية الحيوية، مثل محطات المياه والكهرباء، شديدة الهشاشة، وأي خلل تقني يتحول سريعًا إلى أزمة ممتدة تهدد حياة السكان واستقرار مجتمعاتهم.

تحدثت وزيرة  السكان الأصليين ماندِي جول-ماستي خلال مؤتمر صحفي في أوتاوا عن أهمية حماية مصادر المياه وضمان حق السكان الأصليين في مياه شرب آمنة. ومع ذلك، لا يزال رؤساء بعض الأمم الأولى قلقين من تقاعس الحكومة، بينما يُضطر سكان المجتمعات النائية لغلي كل قطرة مياه بينما تصل المياه النظيفة بلا انقطاع إلى المدن الكبرى – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر غلوبال نيوز

أزمة المياه تجبر السكان على الإجلاء وتدخل القوات المسلحة

في إقليم نونافوت، اضطر سكان كوغاروك لغلي كل المياه قبل الشرب بعد تسرب مياه البحر إلى محطة المعالجة. وقال مسؤول في وزارة الصحة الإقليمية: “هذا إجراء احترازي نتيجة مشكلة ميكانيكية في محطة المياه. سنخطّركم فور رفع التحذير.” وأضاف أحد السكان: “حتى بعد رفع التحذير، كل قطرة ماء يجب غليها. حياتنا اليومية صعبة للغاية.”

وفي شمال مانيتوبا، تسبب انقطاع خط طاقة على نهر نيلسون في تجميد الأنابيب وتلف محطة معالجة المياه في أمة بيميشيكاماك كري، ما أجبر السلطات على إجلاء نحو 4000 شخص بشكل مؤقت. وقال ديفيد مونياس، زعيم المجتمع: “مئات المنازل تضررت ولم تعد صالحة للسكن. نحتاج إلى مساعدة عاجلة لفحص البنية التحتية.” وأضافت شيرلي روبنسون، مستشارة المجلس: “محطة المياه على وشك الانهيار، وبعض السكان أُجلوا حفاظًا على صحتهم وسلامتهم”.

وأشار مونياس إلى الحاجة الماسة إلى مهندسين وسباكين وكهربائيين ونجارين، فيما تدخلت القوات المسلحة لدعم جهود الإصلاح، بتكلفة تقديرية تبلغ نحو 44 مليون دولار.

الحياة اليومية تحت تحذير غلي المياه

في هذه المجتمعات، أصبح كل نشاط يومي مرتبط بالمياه تحديًا مستمرًا. قالت إحدى الأمهات في كاشيشيوان: “أجمع الماء كل صباح لغسل الصحون وطهي الطعام وتحضير شاي الأطفال. كل شيء مرتبط بالماء، وكل يوم يرافقه شعور بالخطر.”

وأكد أحد المعلمين: “حتى غسل الأيدي قبل الوجبات أصبح تحديًا يوميًا. الأطفال يتعلمون التكيف مع الأزمة، لكنها تترك أثرًا واضحًا على صحتهم.”

وفي بيميشيكاماك، وصف السكان الذين أُجلوا خلال الشتاء القارس ابتعادهم عن منازلهم قائلين: “كان المنزل مثل الثلاجة، ولم نتمكن من استخدام الماء أو التدفئة، فاضطررنا للانتقال مؤقتًا”، بحسب جاك روس. وأضافت ماريجين سكوت: “أشعر بالقلق من العودة إلى المنزل، فالأنابيب لا تزال تالفة، والإصلاح سيستغرق وقتًا طويلًا.”

حتى الطقوس الثقافية لم تسلم من التأثير، فالمياه في المجتمعات الأصلية ليست مجرد مورد حيوي، بل عنصر أساسي في الممارسات التقليدية والروحية. وقال أحد الشيوخ: “المياه ليست حياة جسدية فقط، إنها جزء من روح مجتمعنا، وغيابها يترك فراغًا لا يُملأ.”

أصبح تفشي الأمراض، إلى جانب الضغط النفسي والإجهاد اليومي، واقعًا دائمًا. ففي كاشيشيوان، تفاقم انتشار الإنفلونزا بسبب صعوبة غسل الأيدي. وقال مسؤول صحي: “انخفاض الوصول إلى المياه النظيفة يضاعف خطر تفشي الأمراض ويجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام أي أزمة صحية”.

سكان كوغاروك في نونافوت يمكنهم استخدام ماء الصنبور مرة أخرى بعد رفع أمر ‘عدم الاستهلاك’، لكنهم ما زالوا يُنصحون بغليه قبل الشرب، ما يعكس ضعف منظومة المياه والتحديات اليومية التي تواجه المجتمعات الأصلية النائية في كندا – الصورة لـ سي بي سي نيوز

التدخلات الحكومية المحدودة والأثر المستمر

حصلت كاشيشيوان على 1.7 مليون دولار من الخدمات الكندية للسكان الأصليين لتحديث محطة المياه، غير أن الحلول طويلة الأمد ما تزال معلقة بسبب خطط نقل المجتمع إلى موقع أكثر أمانًا بعيدًا عن الفيضانات. وفي بيميشيكاماك، تدخلت فرق فنية من المقاطعات المجاورة بدعم القوات المسلحة، إلا أن آلاف السكان لا يزالون بعيدين عن منازلهم، فيما أُغلقت بعض المدارس بسبب استمرار نقص المياه.

حتى في كوغاروك، ورغم رفع أمر “عدم الشرب”، لا يزال تحذير غلي المياه ساريًا، ما يفرض على السكان غلي كل المياه يوميًا، في عبء إضافي على الأسر.

من كاشيشيوان إلى بيميشيكاماك وكوغاروك، يعيش السكان الأصليون في كندا أزمة يومية مستمرة بسبب نقص المياه، حيث تُجمع كل قطرة، وتُغلى، وتُستخدم بحذر شديد. قالت إحدى الأمهات في كاشيشيوان: “أجمع الماء كل صباح لغسل الصحون وطهي الطعام وتحضير شاي الأطفال. كل شيء مرتبط بالماء، وكل يوم يرافقه شعور بالخطر.” باتت المدارس والمنازل والطقوس الثقافية والحياة اليومية تتأثر بشكل مباشر.

وأشار أحد السكان في كوغاروك: “في المدن الكبرى، تصل المياه النظيفة بلا انقطاع، لكن نحن مضطرون لغلي كل قطرة يوميًا.” تحت هذا الواقع، يظل الاعتماد الكامل على المياه المعبأة وجمع مياه الأنهار عاملًا أساسيًا في حياتهم، مما يضع صحتهم واستقرار مجتمعاتهم على المحك ويكشف هشاشة البنية التحتية وحجم التحديات المستمرة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل