كندا والقُبورُ الصامتة: جريمةُ الاضطهادِ المنسيّة بحقِّ أطفالِ الشعوبِ الأصليّة
في أعماق الأرض الكندية، حيث يُفترض أن تزدهر العدالة والمصالحة، تنبض ذاكرة ترفض الالتئام. لم تكن المدارس الداخلية الكاثوليكية، التي أنشأتها الحكومة الكندية في القرن التاسع عشر، مؤسساتٍ تعليميةً بالمعنى الحقيقي، بل أدواتٍ ممنهجةً لطمس الهوية الثقافية والدينية واللغوية لأبناء الشعوب الأصلية، تحت شعار “التهذيب والتمدين”. لكن ما ظل خفيًّا لعقودٍ، بات اليوم صرخةَ حقيقةٍ تهزُّ ضمير كندا والعالم.
في عام 2021، هزّ كندا اكتشاف أكثر من 215 قبرًا غير معلّم في موقع مدرسة “كامبلوبس” الداخلية بمقاطعة بريتيش كولومبيا، ما فتح أبواب الجحيم على ماضٍ حاولت الدولة طمسه. تلت ذلك اكتشافات مماثلة في مواقع مدارس أخرى، كان أبرزها في مدرسة “ماريفال” في مقاطعة ساسكاتشوان (751 قبرًا)، ومدرسة “سانت أوغستين” في ألبرتا، ليتجاوز العدد الإجمالي للمقابر غير المعلّمة بحلول عام 2023 أكثر من 5600 قبر، وفقًا لبيانات اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة.
لم تكن هذه المقابر مجرّد مواقع دفن، بل شواهد على نظام مؤسسي قمعي امتد لعقود. فقد نُزع أكثر من 150,000 طفل من مجتمعاتهم الأصلية بين عامي 1831 و1996، وأُلحِقوا قسرًا بهذه المدارس التي كانت تُدار بالشراكة بين الحكومة الفيدرالية والكنائس، وعلى رأسها الكنيسة الكاثوليكية. وتشير شهادات الناجين إلى تعرض الأطفال لسوء التغذية، والإهمال الطبي، والعنف الجسدي والجنسي، فضلًا عن حظر لغاتهم الأم وممارساتهم الروحية.

قالت آني بينوا، وهي من الناجين من مدرسة “شوبرغان” في كيبيك: “أُجبرتُ على الصلاة بلغة لا أفهمها، وعُوقبتُ لأنني تحدثت بلغتي، كأنهم أرادوا محو روحي لا تعليمي”. وأضافت في حديثها لقناة “سي بي سي” الكندية: “رأيت أطفالًا يُسحبون من أسرّتهم ليلًا، بعضهم لم يعد. حين كبرت، فهمت أنهم دُفنوا في صمت تام خلف أسوار المدرسة”.
رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو عبّر في يونيو/حزيران 2021 عن “الصدمة العميقة” لاكتشافات كامبلوبس، وقال في مؤتمر صحفي: “نحن مسؤولون، كدولة، عن هذا الفصل المظلم. الاعتراف وحده لا يكفي، بل لا بد من مساءلة كاملة وتعويض ومصالحة حقيقية”. لكن هذه الكلمات، رغم قوتها الرمزية، لم تُترجم فعليًا إلى محاسبة مؤسساتية، حيث لا تزال الكنيسة الكاثوليكية، الجهة المسؤولة عن غالبية هذه المدارس، مترددة في تسليم أرشيفاتها بالكامل أو دفع تعويضات عادلة.

الأمم المتحدة دعت في تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان عام 2023 إلى إجراء “تحقيق جنائي مستقل” في هذه القبور، معتبرة أن ما حدث قد يرقى إلى جريمة إبادة ثقافية. أما منظمة العفو الدولية، فطالبت في بيان لها بمحاكمة المسؤولين الذين لا يزالون على قيد الحياة، وتعويض الضحايا، والناجين، وأحفادهم.
أما رئيس الوزراء الحالي مارك كارني، فقد التزم الصمت إزاء الكشف عن قبور جديدة في عام 2025، ولم يُدلِ بأي تصريح مباشر حول الموضوع حتى كتابة هذا التحقيق. وقد أثار هذا الصمت انتقادات واسعة، خصوصًا في ظل الخلفية العائلية التي تربطه بالملف؛ إذ كان والده، روبرت كارني، مديرًا لمدرسة داخلية يومية في الأقاليم الشمالية الغربية، وصرّح في ستينيات القرن الماضي بأن “الأطفال الأصليين متأخرون ثقافيًا”، بحسب ما كشفه موقع نييتيف برس المتخصص.
وردًّا على ذلك، قال كارني في فعالية انتخابية في أبريل/نيسان 2025: “أحب والدي، لكنني لا أشاركه هذه الآراء، وأنا ملتزم بالمصالحة”. إلا أنه رفض إجراء مقابلة مع قناة “آي بي تي إن” المتخصصة بشؤون السكان الأصليين، ما أثار تساؤلات حول شفافية موقفه.
وفي خضم هذا الجدل، قالت الناشطة في مجال حقوق السكان الأصليين كاسي ريدبيرد في حديثها لصحيفة تورنتو ستار: “المصالحة ليست شعارًا يُرفع في الحملات الانتخابية، بل فعل مستمر. من يتجاهل صوت الضحايا، إنما يشارك في الجريمة بصمت”.

بلغ تمويل الحكومة الفيدرالية لمشاريع البحث والمسح بالرادارات الأرضية 320 مليون دولار حتى عام 2024، وفقًا لوزارة شؤون السكان الأصليين، إلا أن قادة محليين يؤكدون أن الدعم ما زال غير كافٍ. وقال رئيس مجلس قبيلة كاويسيس في ساسكاتشوان: “نحن من نحفر، نحن من نواجه الحقيقة وحدنا، بينما الدولة تكتفي بالتصريحات الإعلامية”.
والمفارقة أن بعض المدارس السابقة تم تحويلها إلى متاحف أو مراكز تعليمية للمصالحة، مثل مدرسة “شوبينغوان” في مانيتوبا، حيث يُعرض للزوار رسائل كتبها أطفال لم يعودوا أحياء. غير أن البعض يرى أن تحويل الألم إلى معروضات سياحية لا يكفي.
في هذا السياق، دعت لجنة الحقيقة والمصالحة إلى تنفيذ توصياتها الـ94 بالكامل، والتي تشمل تعديل المناهج الدراسية لتضمّ تاريخ الشعوب الأصلية، وتحقيق العدالة للضحايا، وإعادة الأراضي.
على الصعيد العالمي، أبدت منظمات في أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة تضامنها مع الناجين، معتبرة أن التجربة الكندية تعكس نمطًا استعماريًا مشتركًا يجب تفكيكه. وقد صرّح رودني ويليامز، المقرّر الأممي السابق لشؤون الشعوب الأصلية، بأن “ما حدث في كندا ليس حالة معزولة، بل نموذج لإرث استعماريٍّ عالميٍّ يتطلب اعترافًا ومحاسبة دولية”.
اليوم، وفي ظل كل هذه الحقائق، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستملك كندا الشجاعة السياسية الكاملة لمواجهة ماضيها؟ أم أن القبور ستظل صامتة، تنبض بالحقيقة التي يُراد لها أن تُدفن مرةً أخرى؟




