أوروبـــا

بعد تصاعُد الإنفاق العسكريّ: هل أوروبّا مستعدّة لمواجهة الحرب؟

تشهد أوروبا تحولًا جذريًا في عقيدتها الأمنية والدفاعية، مع تسارع غير مسبوق في رفع النفقات العسكرية لمواجهة التهديدات المتصاعدة. فالتصعيد الروسي المستمر، والحرب في أوكرانيا، وتزايد الشكوك حول استدامة المظلة الأمنية الأمريكية، دفعت الدول الأوروبية إلى إعادة تعريف أولوياتها الاستراتيجية، والانتقال من منطق الردع السياسي التقليدي إلى الاستعداد العسكري العملي والجاهزية الكاملة لأي تصعيد محتمل.

تقارير دولية متعددة تشير إلى أن هذا الارتفاع في الإنفاق الدفاعي لا يعكس فقط مخاوف أمنية آنية، بل يعبر عن قناعة متنامية داخل العواصم الأوروبية بأن مرحلة الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة تقترب من نهايتها.

في المقابل، لا يأتي هذا التحول دون كلفة باهظة. فزيادة الميزانيات العسكرية تضغط مباشرة على الاقتصادات الأوروبية المثقلة أصلًا بالديون، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل برامج الرفاه الاجتماعي، والاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا.

وبين دول ترى في التسلح ضرورة وجودية لضمان الأمن القومي، وأخرى تخشى أن يقود هذا السباق إلى إنهاك اقتصادي وانقسامات داخلية، تواجه أوروبا اليوم لحظة حاسمة: هل تستعد فعليًا لحرب محتملة، أم أنها تدخل سباق تسلح طويل الأمد فرضته تحولات النظام الدولي؟

سباق التسلح الأوروبي وصراع المصالح

في ألمانيا، على سبيل المثال، وافقت لجنة الميزانية في البرلمان على ثلاثين مشروعًا عسكريًا بقيمة 59 مليار دولار، ليرتفع إجمالي المشتريات الدفاعية إلى نحو 98 مليار دولار، تغطي 103 مشاريع رئيسية في مختلف القطاعات العسكرية.

وفي المقابل، تعمل فرنسا على زيادة إنفاقها العسكري بمقدار 36 مليار يورو ضمن إطار مالي صارم، بهدف رفع النفقات الدفاعية إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. وتعكس هذه الأرقام تحولًا لافتًا في التوجهات الأوروبية بعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية والتوازن الاستراتيجي الذي وفره حلف الناتو.

وفي مارس 2025، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مبادرة “الاستعداد 2030″، المعروفة سابقًا باسم “إعادة تسليح أوروبا”، بهدف تعزيز القدرات العسكرية للاتحاد الأوروبي وتحسين جاهزية الردع في مواجهة التهديدات الروسية والتحديات الأمنية الأخرى. وتهدف المبادرة إلى تنسيق الإنفاق الدفاعي بين الدول الأعضاء، وتطوير البنية التحتية العسكرية، وتعزيز القدرة على التحرك السريع للقوات عبر الحدود الأوروبية في حالات الطوارئ.

ضغوط الرئيس ترامب لدفع الدول الأوروبية إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من ناتجها القومي تعكس إرادة أمريكية لفرض جاهزية كاملة لحلف الناتو، ما يضع أوروبا أمام تحدٍ مزدوج بين الاستعداد العسكري ومواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذا السباق – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر آن بي آر

ضغوط أمريكية واستجابة أوروبية

لم يكن رفع النفقات العسكرية الأوروبية قرارًا داخليًا صرفًا، بل جاء في سياق ضغوط أمريكية واضحة خلال رئاسة دونالد ترامب. فقد صرّح ترامب لمجلة بوليتيكو قائلًا: “أوروبا تنهار نتيجة لارتفاع الإنفاق العسكري لدول حلف الناتو وتمويل السلاح لأوكرانيا. الناتو يعتبرني أبًا مدللًا له وأنا رفعت النفقات العسكرية من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء”.

ويشرح أستاذ العلاقات الدولية يوسف شهاب في حديثه لـ”هنا كندا”: “أوروبا رفعت النفقات العسكرية بعد مجيء ترامب الذي رفض رفضًا قاطعًا استمرار أوروبا تحت مظلة حلف الناتو، حيث كانت الولايات المتحدة تتحمل نحو 900 مليار دولار، بينما كان الأوروبيون ينعمون بالحماية مقابل 120 مليار دولار فقط. رفع سقف الميزانية لم يكن بقرار سيادي، بل فُرض على الأوروبيين من قبل الولايات المتحدة.”

ويضيف شهاب: “بطبيعة الحال، هذا قرار مفاجئ يتطلب رفع الإنفاق من 3 إلى 5% من الدخل الإجمالي الخام للنفقات العسكرية، وهو ما لم يلقَ قبولًا أوروبيًا لسببين رئيسيين: ارتفاع المديونية، حيث بلغت المديونية الفرنسية نحو 3 تريليونات دولار، والمديونية الأوروبية عمومًا قرابة 7 تريليونات دولار، فضلًا عن تأثير ذلك على معدلات التضخم والقدرة الشرائية للمواطنين.”

من جانبه، أوضح المتخصص في الشؤون الأمريكية أسامة أبو الرشيد لـ”هنا كندا”: “هناك ضغوط أمريكية متواصلة، خصوصًا خلال الولاية الأولى لترامب، على الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو لرفع إنفاقها العسكري إلى 3.5% من ناتجها القومي، ثم أعلن لاحقًا رفع النسبة إلى 5%. ليست كل الدول وافقت، لكن عددًا كبيرًا منها استجاب”.

وأشار أبو الرشيد إلى أزمة الثقة بالمظلة الدفاعية الأمريكية بعد التصعيد الذي قام به ترامب تجاه غرينلاند، قائلًا:”رأينا دولًا مثل ألمانيا ترفع نفقاتها العسكرية، وهو ما يخالف النهج الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية، كما تسعى فرنسا بدورها لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل تراجع الثقة بالحليف الأمريكي”.

أوروبا تعزز تسليحها لمواجهة التهديد الروسي وحماية أوكرانيا، مؤكدة أن الاستعداد العسكري هو الضمان الوحيد لردع أي عدوان مستقبلي وحفظ استقرار المنطقة – الصورة لـ رويترز عبر موقع سي آف آر

التهديد الروسي والقدرات الدفاعية الأوروبية

يرتبط جانب أساسي من زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي بالتهديدات الروسية المباشرة وغير المباشرة. وفي هذا الإطار، يقول أبو الرشيد: “هناك تهديد متزايد من قبل روسيا، ودول مثل ألمانيا وفرنسا وبولندا ترى أن التصعيد العسكري مع موسكو مسألة وقت، وتسعى للاستعداد لأي سيناريو محتمل”.

بدوره، يوضح رئيس مركز الدراسات الآسيوية هيثم مزاحم لـ”هنا كندا”: “أوروبا لديها هواجس كبيرة تجاه روسيا بسبب القرب الجغرافي، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا تزال تعتبر دعم كييف خط الدفاع الأول عن القارة.”

ويضيف مزاحم: “من بين دوافع رفع النفقات العسكرية أيضًا تهديدات ترامب بغزو غرينلاند، ما عزز القناعة الأوروبية بضرورة بناء قدرات دفاعية مستقلة بعيدًا عن الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف غير مضمون.”

ويفسّر هذا الواقع التباين في مستويات الإنفاق العسكري بين الدول الأوروبية، لا سيما دول الشرق الأوروبي مثل بولندا ودول البلطيق، التي كثفت جهودها لتعزيز دفاعاتها الوطنية، بما في ذلك تحديث المعدات العسكرية وتطوير أسلحة تكتيكية متقدمة تُعرف بـ”القنابل الوسخة”، المصممة لاستهداف قواعد عسكرية أو مدن محددة دون إحداث دمار شامل.

ويؤكد يوسف شهاب في هذا السياق: “الأسلحة النووية في أوروبا متطورة منذ زمن بعيد، حيث حصلت فرنسا وبريطانيا عليها في خمسينيات القرن الماضي. الجديد يتمثل في الأسلحة التكتيكية التي بدأت تظهر في دول مثل ألمانيا وإيطاليا، بينما تفتقر باقي الدول الأوروبية إلى الإمكانيات التكنولوجية اللازمة لإنتاج هذا النوع من السلاح.”

تداعيات اقتصادية وسياسية للنفقات العسكرية

لا يأتي الارتفاع المتسارع في الإنفاق العسكري الأوروبي من دون كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة. فوفق دراسات حديثة لمعهد السلام والاقتصاد، تؤدي الحروب والاستعداد لها إلى آثار سلبية مباشرة على الاقتصاد الوطني، تتمثل في ارتفاع الدين العام ومعدلات التضخم والضرائب، مقابل تراجع الاستهلاك والاستثمار في القطاعات الإنتاجية الحيوية مثل التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية، ما يفرض ضغطًا إضافيًا على الميزانيات الحكومية ويقلّص هامش الإنفاق على برامج الرفاه الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يرى يوسف شهاب أن رفع سقف الإنفاق العسكري “لم يأتِ فقط نتيجة تهديدات روسية حقيقية، بل بفعل ضغوط أمريكية مباشرة”، محذرًا من أن هذه السياسات تؤدي إلى تعميق المديونية الأوروبية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

سياسيًا، تعكس هذه التحولات انقسامًا واضحًا داخل أوروبا، إذ تتحفظ بعض الدول على زيادة النفقات الدفاعية خشية انعكاسها على الاستقرار الاجتماعي، في حين تعتبر دول أخرى أن الاستعداد العسكري بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.

من جهته، شدد هيثم مزاحم على أن أوروبا تواصل رفع إنفاقها الدفاعي “استجابة للتهديد الروسي وسعيًا لتعزيز استقلالها العسكري وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة”، في معادلة تعكس حجم التحديات التي تواجه القارة على المستويين الأمني والاقتصادي.

تخطط المفوضية الأوروبية لتسهيل حركة القوات والمعدات العسكرية بين الدول الأعضاء لضمان قدرة سريعة على الانتشار والتحرك عبر القارة في حال نشوب صراع مع روسيا. الهدف هو تعزيز جاهزية الاتحاد الأوروبي الدفاعية وتقليل التأخير في الاستجابة لأي تهديد – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر الغرديان

واقع أوروبا ومستقبل التسلّح

تجد أوروبا نفسها اليوم أمام معادلة أمنية معقدة تفرض عليها موازنة دقيقة بين تعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة التهديدات الخارجية المتصاعدة، واحتواء الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التوجّه. فاستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديد الروسي، إلى جانب الضغوط الأمريكية المتزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي، فضلًا عن تراجع الثقة بفاعلية المظلّة الأمنية الغربية، دفعت الدول الأوروبية إلى تسريع خطواتها نحو إعادة بناء قدراتها العسكرية والدخول في مسار تسلّح يُعدّ الأوسع منذ نهاية الحرب الباردة.

ويتفق خبراء الأمن والدفاع على أن أوروبا لم تعد قادرة على الاكتفاء بالاعتماد على الولايات المتحدة في ضمان أمنها الاستراتيجي، ما يفرض عليها الاستعداد لسيناريوهات تصعيد محتملة، عبر تحديث البنية التحتية العسكرية، وتطوير القدرات التسليحية التقليدية والتكتيكية، وتعزيز آليات التنسيق والعمل المشترك بين دول الاتحاد الأوروبي.

ويرى الباحث أسامة أبو الرشيد أن “الهدف الأساسي يتمثل في أن تكون أوروبا قادرة على الرد السريع وتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها في مواجهة أي تهديد، سواء كان مصدره روسيا أو أي قوة أخرى”.

في المقابل، يحذّر محللون من أن زيادة الميزانيات العسكرية وحدها لا تشكّل ضمانة كافية للأمن، ما لم تترافق مع استثمارات استراتيجية طويلة الأمد في التكنولوجيا الدفاعية، وتحديث العقيدة العسكرية، وتطوير قدرات القوات المسلحة على مستوى التدريب والتخطيط والبنية التحتية.

وهنا يشير هيثم مزاحم إلى أن “الاستعداد العسكري الحقيقي يجب أن يكون متكاملًا، ويشمل التدريب والمعدات والتخطيط الاستراتيجي، لا أن يقتصر على ضخ أموال إضافية في الموازنات الدفاعية”.

وبين متطلبات الردع العسكري وضغوط الواقع الاقتصادي والاجتماعي، تبدو أوروبا في سباق مع الزمن، حيث سيحدد المستقبل ما إذا كانت هذه السياسات قادرة على إرساء أمن أوروبي مستدام، أم أنها ستظل إجراءات مرحلية فرضتها التوترات الجيوسياسية والضغوط الدولية الراهنة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل