أوروبـــا

أزمة تجنيد في أوروبّا: جيلٌ يرفض الحرب ويُعيد مساءلة الدّولة

في لحظة تاريخية استثنائية، حيث تتقاطع صور الدبابات على الشاشات مع خطابات المرشحين في الساحات العامة، تواجه أوروبا مفارقة عميقة، وهي عودة الحرب كأداة سياسية، مقابل تراجع الحماسة الشعبية، لا سيما بين الشباب، لحمل السلاح باسم الدولة.

لم تعد الجبهات بعيدة عن وعي الأوروبيين كما كانت لعقود، بل أصبحت جزءًا من النقاش اليومي، وعنصرًا رئيسيًا في الحملات الانتخابية، ومحورًا لإعادة صياغة الأولويات الوطنية. ومع ذلك، يبرز سؤال محوري: كيف يمكن لدول ديمقراطية حديثة تعبئة جيل نشأ على قيم الحرية الفردية والشك النقدي، من أجل حروب لا يشعر بأنه شريك في اتخاذ قرارها؟

رفض الشباب الأوروبي للتجنيد لم يعد مجرد رد فعل نفسي على مشاهد العنف، ولا يمكن اختزاله في الخوف من الموت أو النفور من الانضباط العسكري. إنه تحوّل نوعي في الوعي السياسي والاجتماعي، يعكس أزمة ثقة بنيوية بين الدولة وجيلها الجديد، الذي يرى أن المسافة بينه وبين مراكز القرار تتسع، وأن السياسات الكبرى، وعلى رأسها السياسات الدفاعية، تُصاغ فوق رأسه، ثم يُطلب منه دفع كلفتها البشرية والمادية.

تأتي هذه الظاهرة في سياق أوروبي معقد. فالقارة تواجه تحديات أمنية حقيقية أعادت إلى الواجهة مفاهيم كانت تبدو من الماضي، مثل الردع العسكري، والتجنيد الإجباري، والاستعداد لحروب طويلة الأمد. يرى الباحث في العلاقات الدولية، نجم الدين كريم الله، لمنصة “هنا كندا” الإخبارية، أن المجتمعات الأوروبية تعاني أزمات متراكمة: تضخم اقتصادي، أزمة سكن خانقة، تآكل تدريجي لدولة الرفاه، وتراجع ثقة المواطنين، لا سيما الشباب، بالأحزاب والمؤسسات التقليدية.

في ظل هذا التناقض، يشعر كثير من الشباب بأن الدولة تطلب منهم أقصى درجات الالتزام، بينما تعجز عن ضمان أبسط أشكال الاستقرار في حياتهم اليومية. يضيف كريم الله أن هذا الرفض يتزامن مع لحظة سياسية حساسة، تتحول فيها قضايا الأمن والدفاع إلى أوراق انتخابية للاستقطاب أو التخويف.

هنا، يجد الشباب أنفسهم بين فكي كماشة: خطاب رسمي يطالبهم بالتضحية باسم “المصلحة الوطنية”، وواقع اجتماعي يشعرون فيه بأنهم الخاسر الأكبر من السياسات الاقتصادية والعسكرية على حد سواء. هذا التناقض يغذي شعورًا متناميًا بالاغتراب، ويحوّل رفض التجنيد من موقف فردي صامت إلى موقف جماعي يتجلى في الشارع، واستطلاعات الرأي، وأحيانًا في صناديق الاقتراع.

يمكن قراءة هذا الرفض ليس فقط كمسألة أمنية أو عسكرية، بل كمرآة لأزمة أعمق في العقد الاجتماعي الأوروبي؛ أزمة تتعلق بمعنى المواطنة، وحدود الواجب والحق، والسؤال الجوهري: من يقرر الحرب، ومن يدفع ثمنها؟ إن تفكيك هذه الظاهرة، من جذورها الفكرية والاجتماعية مرورًا بسياقها التاريخي وصولًا إلى تداعياتها المستقبلية، يفتح نافذة لفهم التحولات التي تعصف بأوروبا، ليس فقط في ميادين الحرب، بل في قلب ديمقراطيتها.

شباب أوروبا يرفض أن يُحمّل أعباء حروب لم يختارها، من أوكرانيا إلى أي صراع قادم، متحدّين حكوماتهم التي تروّج للتجنيد تحت شعار الأمن والدفاع. هذه المواجهة تكشف أزمة ثقة عميقة بين الأجيال الجديدة والسياسات العسكرية، وتعكس مساءلة القارة لمفهوم الحرب ومستقبل السلام – الصورة لـ موقع أليمان إين فرانس

جيل يشكك في الحرب قبل أن يخاف منها

على خلاف الصورة النمطية التي تحصر رفض التجنيد في الخوف من الموت، تكشف الدراسات والمقابلات مع شباب أوروبيين عن منطق مختلف. هذا الجيل لا يرفض القتال لأنه جبان، بل لأنه متشكك: يشكك في أهداف الحروب، وفي صدقية الخطاب الرسمي، وفي عدالة توزيع التضحيات. في شوارع برلين وباريس وبروكسل، ارتفعت شعارات سياسية مثل: “لسنا وقودًا للحرب”، و”حروبكم… قتلى من جيلنا”، و”نريد مستقبلًا لا خنادق”.

هذه العبارات تعكس وعيًا سياسيًا متناميًا يرى في الحروب امتدادًا لفشل النخب في إدارة الصراعات بوسائل سلمية.

ويشير الصحفي والمحلل السياسي عادل عبد العاطي لـ “هنا كندا” إلى أن هذا الجيل “نشأ في بيئة معلوماتية مفتوحة، يرى نتائج الحروب لحظة بلحظة، ويقارن باستمرار بين الخطاب والواقع”. لم تعد الروايات الوطنية الكبرى قادرة على تعبئته كما في القرن الماضي، لأن التجارب القريبة أثبتت أن كثيرًا من الحروب التي خيضت باسم الديمقراطية أو الأمن انتهت إلى فوضى وعدم استقرار.

لقد تركت التجارب العسكرية في أفغانستان والعراق وليبيا أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي. الصور القادمة من تلك الساحات، إلى جانب الاعترافات المتأخرة بإخفاق الاستراتيجيات، جعلت الشباب الأوروبي أكثر حذرًا من أي دعوة جديدة لـ”الدفاع عن القيم”. بالنسبة لهم، لم يعد السؤال: هل نحن أقوياء عسكريًا؟ بل: لماذا نقاتل؟ من يقرر؟ ومن يدفع الثمن؟

شباب أوروبا يرفض الحروب والتجنيد، إذ لم تولد اهتماماته في ساحات القتال؛ ويطالب بمساءلة الحكومات حول من يشعل الحروب ومن يدفع ثمنها – الصورة لـ سكاي نيوز انجليزية

جيل الأزمات: من وعود العولمة إلى الانسداد الاجتماعي

ويضيف عبد العاطي أن فهم موقف الشباب من التجنيد لا يمكن من دون العودة إلى السياق الذي تشكّل فيه هذا الجيل. إنه جيل وُلد في ظل العولمة، ووُعد بعالم مفتوح وفرص بلا حدود، لكنه وجد نفسه أمام واقع مغاير: أزمات مالية متلاحقة، بطالة، ارتفاع حاد في أسعار السكن، وضغوط نفسية واجتماعية غير مسبوقة. كانت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لحظة مفصلية، إذ شاهد كثير من الشباب آباءهم يفقدون وظائفهم، فيما سارعت الدول إلى إنقاذ البنوك بدلًا من حماية المواطنين. ثم جاءت جائحة كورونا لتعمّق الإحساس بالهشاشة، تلتها أزمة الطاقة والتضخم.

في ظل هذا الواقع، يبدو طلب الدولة من هذا الجيل أن “يضحّي بحياته” أقرب إلى مفارقة أخلاقية صارخة. الدولة لم تعد تضمن الاستقرار أو الحماية الاجتماعية، لكنها تطلب أقصى درجات الولاء عندما يتعلق الأمر بالحرب. هذا الشعور يولّد رفضًا للتجنيد، وأوسع من ذلك، لمنطق الدولة نفسها.

كما لعبت التحولات الثقافية دورًا محوريًا. قيم الفردانية، والبحث عن المعنى الشخصي، ورفض السلطوية، أصبحت سمات بارزة لدى هذا الجيل، ما يجعل الجيش، كمؤسسة هرمية صارمة، غير متوافق مع هذه القيم. للتجنيد الإجباري، إذًا، أبعاد تمس الحرية الفردية أكثر من كونه واجبًا وطنيًا.

العدالة الغائبة وفجوة الثقة مع الدولة

يتمثل أحد أخطر أبعاد رفض التجنيد في الإحساس بانعدام العدالة الطبقية. الشباب الأوروبي يلاحظون أن الحروب، رغم الخطاب الوطني، لا تُدار بشكل متكافئ. أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة هم من يُستدعون للخدمة، بينما تمتلك النخب دائمًا هامشًا للنجاة. تاريخيًا، اعتمدت الجيوش الأوروبية على أبناء الطبقات الأقل حظًا، ومع تراجع التجنيد الإجباري، ارتبطت الجيوش بالمناطق المهمشة.

اليوم، مع عودة النقاش حول التجنيد، يخيم شبح “الحرب غير العادلة” على وعي الشباب. “الشباب لا يرون أنفسهم ممثلين في دوائر صنع القرار العسكري. لا يُستشارون، ولا يُشرح لهم، ثم يُطلب منهم التنفيذ”. هذه الفجوة تحوّل الرفض إلى موقف سياسي احتجاجي، يزداد حدّة مع تآكل الثقة في المؤسسات. تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع ثقة الشباب بالبرلمانات، والأحزاب التقليدية، ووسائل الإعلام، ما يجعل أي خطاب تعبوي عرضة للتشكيك.

بينما يعيد ماكرون التجنيد الطوعي لمواجهة ‘التهديد الروسي’، يواجه الحقيقة الصادمة: شباب فرنسا، المتربّي على سياسات أوروبية شكلت وعيه، لم تعد الحروب تستهويه ولا حتى قدرته على تحملها. يبدو أن خطة الرئيس لتعزيز الجيش قد تصطدم بجيش من الرفض الحر أكثر من أي قوة عسكرية – الصورة لـ سكاي نيوز انجليزية

أوروبا أمام مفترق طرق: الأمن أم العقد الاجتماعي؟

الحرب في أوكرانيا، والتوتر مع روسيا، وتصاعد الحديث عن تهديدات أمنية مباشرة، تدفع الحكومات الأوروبية إلى تعزيز القدرات العسكرية. أعادت ألمانيا وفرنسا النظر في عقيدتهما الدفاعية، ورفعتا ميزانياتهما العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.

يفيد الباحث معتصم الكيلاني لموقع “هنا كندا”، أن هذا التوجه يصطدم بواقع اجتماعي هش: شاب يعاني أزمة سكن وديونًا دراسية ومستقبلًا مهنيًا ضبابيًا، يجد صعوبة في قبول أن الأولوية هي زيادة الإنفاق العسكري. الأمن لم يعد مفهومًا عسكريًا صرفًا؛ فبالنسبة للشباب، يعني وظيفة، وسكنًا، واستقرارًا نفسيًا. تجاهل هذا التحول قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ليس فقط على التجنيد، بل على الاستقرار السياسي برمته.

لقد بدأ رفض الشباب ينعكس في صناديق الاقتراع، حيث تخسر الأحزاب التقليدية دعم الفئات الشابة، بينما تصعد حركات احتجاجية يسارية راديكالية أو يمينية شعبوية، توظف الغضب بطرق مختلفة. في جميع الحالات، الرسالة واحدة: هناك شرخ عميق بين الجيل الجديد والنظام السياسي القائم.

صرخة سياسية واجتماعية عالية النبرة

رفض الشباب الأوروبي للتجنيد ليس نزوة عابرة، ولا انعكاسًا لمزاج فردي متقلّب، بل صرخة سياسية واجتماعية تعكس أزمة في علاقة الدولة بجيلها الجديد. جيل يرفض أن يُختزل دوره في التضحية الصامتة، بينما يُقصى عن دوائر صنع القرار، ويُطلب منه تحمّل كلفة صراعات لم يكن طرفًا في إشعالها.

هذا الرفض لا ينكر أهمية الأمن، ولا يقلل من المخاطر الجيوسياسية، بل يعكس مطالبة بإعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل الكرامة الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي، والعدالة السياسية، لا القوة العسكرية وحدها.

ما يطالب به هذا الجيل هو وضوح أخلاقي قبل أن يكون تعبئة عسكرية: لماذا نقاتل؟ من يقرر؟ وكيف تُوزع التضحيات؟ أسئلة لم تعد هامشية في زمن الشفافية الرقمية وتدفّق المعلومات. يريد الشباب أن يكون شريكًا في القرار، لا مجرد أداة للتنفيذ، ويرى أن أي حديث عن الواجب يجب أن يقابله حديث صريح عن الحقوق والمسؤوليات المتبادلة.

مستقبل أوروبا لن يُحسم في ساحات القتال أو غرف التخطيط العسكري وحدها، بل في قدرتها على ترميم الثقة المتآكلة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، لا سيما مع الفئات الشابة. بدون عقد اجتماعي جديد يعترف بتحولات القيم، ويوازن بين متطلبات الأمن وضرورات العدالة، ستظل الفجوة آخذة في الاتساع، وسيبقى التجنيد مسألة إشكالية أكثر منه حلًا دفاعيًا.

تجاهل هذه الصرخة لا يحمل مخاطر عسكرية فحسب، بل يهدد جوهر المشروع الديمقراطي الأوروبي ذاته. فالديمقراطية، إن لم يشعر شبابها بأنهم جزء منها، ستظل هشة مهما امتلكت من قوة عسكرية. السؤال الأكثر إلحاحًا ليس فقط كيف تدافع أوروبا عن حدودها، بل كيف تحافظ على ثقة جيلها القادم، وحقه في المشاركة الفعلية في المعركة السياسية.

يرى خبراء أن النقاش لم يعد حول الحرب، بل حول قدرة الشباب على تحمل مسؤولياتهم. السياسات الأوروبية شكلت حياتهم على الأمن والاكتفاء، حتى أصبح الدفاع عن الدولة فوق طاقتهم – الصورة لـ رويترز عبر سكاي نيوز انجليزية

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل