أوروبـــا

ميرتس مُستشار ألمانيا: تشدُّدٌ في الدَّاخل، تقاربٌ مشبوه، واستقلالٌ دفَاعيّ

صعد فريدريش ميرتس إلى منصب مستشار ألمانيا في السادس من مايو 2025 بعد فوز انتخابي مفاجئ لحزبه “الاتحاد المسيحي الديمقراطي” بنسبة 28.6% في الانتخابات التشريعية المبكرة التي شهدت أعلى نسبة مشاركة شعبية منذ توحيد البلاد. هزيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة أولاف شولتس، وصعود اليمين المتطرف إلى المركز الثاني بنسبة قاربت 20%، فتحت الأبواب أمام ما وصفته صحيفة “دي فيلت” الألمانية بـ “تحول جذري في المزاج السياسي العام في ألمانيا”، ودخول ميرتس إلى المنصب حاملاً أجندة لا تشبه أسلافه: هجومية، سيادية، وجذرية في الداخل والخارج.

في تصريحاته الأولى كمستشار، أعلن ميرتس أنه لن ينتظر ما وصفه بـ “إملاءات واشنطن”، وقال في مقابلة مع مجموعة صحف “فونكه” الإعلامية في 12 مايو: “لا أوهام لدي بشأن ما سيأتي من أمريكا، علينا أن نعيد التفكير في اعتمادنا العسكري عليها”. وفي قمة حلف شمال الأطلسي التي انعقدت في لاهاي بين 24 و26 يونيو، دعا ميرتس إلى رفع الإنفاق الدفاعي الألماني إلى 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لما نشرته صحيفة “بوليتيكو أوروبا”. وأضاف أنه “لم يعد من المعقول أن تستمر أوروبا في تلقي الحماية العسكرية الأميركية بالمجان”، مشددًا على ضرورة تطوير قوة دفاعية أوروبية مستقلة.

فريدريش ميرتس زعيم حزب المحافظين الفائز الأول بانتخابات ألمانيا الأخيرة – الصورة لـ وكالة الانباء الفرنسية

فيما يتعلق بالملف الأوكراني، أكد ميرتس أن ألمانيا لن تتراجع عن دعمها العسكري والسياسي لكييف، معلنًا في مؤتمر صحفي مع الرئيس الأوكراني في برلين في 4 يونيو أن بلاده ستسلم دفعة من صواريخ “توروس” طويلة المدى، وفق ما أوردته وكالة “رويترز”. وهاجم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بسبب وصفه أوكرانيا بأنها “سبب الحرب”، محذرًا  مما وصفه بـ”التقارب الروسي–الأمريكي على حساب أوروبا”.

فريدريش ميرتس، مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي لمنصب المستشار ورئيس الحزب الديمقراطي المسيحي الفيدرالي، يمشي عبر ساحة القديس ميخائيل في أوكرانيا بجوار مارتن ياجر، سفير ألمانيا في أوكرانيا، ديسمبر 2024 – الصورة لـ غيتي إيماجيس

ملف الهجرة، الذي ظل لعقود شائكًا ومثيرًا للانقسام، تحوّل في عهد ميرتس إلى أولوية داخلية صارمة. وفي تصريح نقلته قناة “زد دي إف” الألمانية يوم 2 يونيو، قال ميرتس: “علينا أن نعيد آلاف السوريين الذين لا يعملون هنا. بعضهم ينتمي إلى ميليشيات الأسد، ولا مكان لهم في ألمانيا”. كما أشار في حديثه لصحيفة “فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ” إلى أنه يعتبر “الثقافة الألمانية المهيمنة” مبدأ أساسيًا في سياسة الاندماج الجديدة. وكانت الحكومة الجديدة قد مررت منتصف يونيو قانونًا مشددًا للهجرة، يشمل ترحيلات جماعية، وتشديد الرقابة على الحدود، وتقليص الاستفادة من المساعدات الاجتماعية.

لاجئون سوريون في ألمانيا – الصورة لـ موقع زوما

في المقابل، يتعامل ميرتس بحساسية فائقة تجاه الملف الإسرائيلي، حيث يعتبره “جزءًا من مصلحة الدولة الألمانية”. وأثار جدلًا واسعًا في أوروبا عندما أعلن في مؤتمر صحفي يوم 24 فبراير، نقلاً عن قناة “دويتشه فيله”، أنه سيُرحب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في برلين، متجاوزًا مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة. وأكد: “سأضمن ألا يتم توقيف نتنياهو في الأراضي الألمانية”، واصفًا المذكرة بأنها “لا تليق بزعيم دولة ديمقراطية”.

لكن المفارقة جاءت من داخل مكتبه في يونيو، حين وجّه، وفقًا لوكالة “رويترز”، رسالة مباشرة لنتنياهو يدعوه فيها إلى “ضبط النفس في العمليات ضد إيران”، مؤكدًا أن “الأمن لا يبرر الاستخدام المفرط للقوة”. وكان ذلك بعد الغارات الجوية التي شنتها إسرائيل على منشآت إيرانية في 13 يونيو، والتي علّق عليها ميرتس لاحقًا في مقابلة مع صحيفة “نيويورك بوست” بقوله: “إسرائيل تقوم بالعمل القذر الذي لا تجرؤ عليه الدول الغربية، ونحن لن نخذلها، لكن يجب أن نحاسبها سياسياً وأخلاقياً على الكلفة الإنسانية”.

لقاء سابق بين ميرتس وبنيامين نتن ياهو -الصورة لـ وكالة حماية البيئة/جي بي آو

وفي تحول لافت للسياسة الألمانية تجاه واشنطن، هاجم ميرتس علنًا الملياردير إيلون ماسك الذي عبّر عن دعمه لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، وكتب مقالًا مثيرًا في صحيفة “فيلت آم زونتاغ” الألمانية وصف فيه الحزب بأنه “الأمل الأخير لهذا البلد”. ورد ميرتس بحدة في تصريح لقناة “آردي”: “ماسك يتدخل بشكل فجّ في الديمقراطية الألمانية، وهو ليس في موقع يسمح له بذلك. نحن لا نُدار من الخارج”.

اقتصاديًا، تفاوض ميرتس بصعوبة على تمرير “ميزانية القوة الوطنية” مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر، تضم خطة إنفاق تفوق 900 مليار يورو خلال خمس سنوات تشمل الدفاع، الطاقة الخضراء، البنية التحتية، والتحول الرقمي، حسبما أكد تقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” في 14 يونيو. وتشير التوقعات إلى أن الحكومة الجديدة تسعى لإعادة التموضع الاقتصادي الألماني كمركز صناعي ذكي ومستقل عن الصين وروسيا في سلاسل الإمداد الاستراتيجية، لاسيما في مجالات الطاقة والمعادن النادرة.

ظهور فريدريش ميرتس في بون، ألمانيا، في 16 يناير 1999 – الصورة لـ غيتي إيماجيس

يرى خبراء سياسيون أن سياسات ميرتس تعكس “موجة تطرف متصاعدة داخل اليمين الألماني”، وهو ما أكدته دراسة معهد براندنبورغ للأبحاث السياسية التي أشارت إلى أن خطاب ميرتس المتشدد تجاه المهاجرين والمسلمين يُعد “تراجعا عن القيم الليبرالية الألمانية ويشكل تحديًا ديمقراطيًا حقيقيًا”. وفقًا للبروفيسور كارل هاينريش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هامبورغ، فإن “سياسات ميرتس تندرج ضمن مظاهر التطرف السياسي الذي يعزز الاستقطاب ويهدد التماسك الاجتماعي”.

كما حذرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها الأخير من أن “تصريحات ميرتس المتكررة ضد الإسلام والعرب تؤدي إلى زيادة مشاعر العداء والكراهية في المجتمع الألماني، مما قد يفتح الباب أمام تصاعد جرائم الكراهية والتمييز”. وفي السياق ذاته، أشار المحلل السياسي في مجلة “فورين أفيرز”، توماس وينتر، إلى أن “التوجهات القومية المتشددة التي يتبناها ميرتس تمثل خطرًا على صورة ألمانيا الدولية ودورها كدولة ملتزمة بحقوق الإنسان”.

وبناءً على هذه الآراء والمواقف، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة ألمانيا على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، حيث إن مستقبل البلاد مرهون بمدى نجاحها في مواجهة هذا التطرف السياسي والعودة إلى قيم الانفتاح والتسامح التي أسست بها نظامها الديمقراطي الحديث.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل