اليمينُ المتطرّف في أوروبا: البرنامج السّياسي وأسباب الصعود
في السنوات الأخيرة، أصبح صعود اليمين المتطرف في أوروبا يشكل ظاهرة متزايدة تهز المشهد السياسي في العديد من الدول الأوروبية. على وجه الخصوص، أصبح تأثير هذه المجموعات واضحًا في المؤسسات الكبرى مثل “الاستابلشمنت” في بروكسل، مع تصدر هذه الأحزاب للكتل النيابية في دول كفرنسا، إيطاليا، النمسا، المجر، وبلجيكا. كما أنها تحتل المرتبة الثانية في العديد من البلدان الأخرى. في البرلمان الأوروبي، حصلت هذه الكتل على 159 مقعدًا، ما يعادل نحو 22% من الأصوات.
وسائل الإعلام البديلة وتوجيه الخطاب السياسي
يتفق العديد من المراقبين على أن صعود هذه الحركات يعود جزئيًا إلى استراتيجياتها الفعالة في استخدام وسائل الإعلام البديلة، وعلى رأسها منصات التواصل الاجتماعي مثل “إكس” (تويتر سابقًا). بعد استحواذ إيلون ماسك على المنصة، أُعيدت هيكلة الخوارزميات بشكل يعزز من نشر الخطاب اليميني المتطرف. في هذا السياق، تُظهر دراسة أجراها معهد “بيرتلسمان” في 2023 أن خوارزميات وسائل الإعلام الاجتماعية تساهم في تضخيم محتوى اليمين المتطرف بشكل كبير.
كذلك، شهدت منصات مثل “يوتيوب” تحولًا كبيرًا، حيث بدأ اليمين المتطرف في إنشاء محتوى سياسي يستهدف الفئات المستاءة من النخب السياسية التقليدية. هذه التحولات الإعلامية كانت واضحة منذ عام 2010، حيث بدأ ستيف بانون بترويج فكرة “الحرب الثقافية” واستخدام الإعلام البديل للوصول إلى الناخبين.
الهجرة وأزمة اللاجئين
من العوامل الرئيسة التي ساهمت في صعود اليمين المتطرف هي أزمة اللاجئين، التي تأثرت بها العديد من الدول الأوروبية نتيجة النزاعات والصراعات في مناطق مثل ليبيا، سوريا، والسودان. هذه الأزمات ساهمت في تدفق موجات هجرة غير شرعية وزيادة عدد طالبي اللجوء. في 2023، تجاوزت طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي مليون طلب، ما يمثل زيادة بنسبة 18% مقارنة بالعام السابق (المصدر: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين).
تعتبر هذه الهجرة من قبل اليمين المتطرف تهديدًا للهوية الثقافية الأوروبية. غالبًا ما يعززون هذا الخطاب من خلال التركيز على مخاطر تغيّر التركيبة الديمغرافية والتنوع الثقافي.
التضخم والحرب في أوكرانيا
أثر الوضع الاقتصادي بشكل كبير على صعود هذه المجموعات. مع ارتفاع معدلات التضخم في أوروبا، يعتقد قادة اليمين المتطرف أن هذا يرجع إلى دعم الحرب في أوكرانيا والاعتماد على الطاقات البديلة، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة. بالنسبة للدول الأوروبية، أصبح الغاز الطبيعي أكثر تكلفة بكثير مقارنة بالغاز الروسي، مما ساهم في انهيار بعض الصناعات الكبرى، لاسيما في ألمانيا (المصدر: وكالة الطاقة الدولية 2023).
الأيديولوجية والبرنامج السياسي
على الرغم من تشخيص هذه المجموعات لواقع أوروبا بشكل مشابه، إلا أن برامجها السياسية تختلف بشكل ملحوظ نتيجة لعدة عوامل ثقافية وتاريخية. على سبيل المثال، حزب “أخوة إيطاليا” الذي يترأس الحكومة الإيطالية يتبنى أيديولوجية فاشية ويؤمن بالعودة إلى عهد موسوليني. أما حزب “فوكس” في إسبانيا فيعد وريثًا لفكر الدكتاتور فرانكو، في حين أن الحركات في المجر وبولندا تتبنى قومية أوروبية قديمة.
ورغم هذا التنوع، تتفق هذه المجموعات على بعض النقاط الرئيسية، أبرزها معاداة الإسلام والمهاجرين، حيث تستخدم هذه القضايا كخطاب رئيسي في سياساتها. تجسد هذه الآراء في معارضة سياسات الهجرة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي.
آفاق مستقبلية
لا شك أن اليمين المتطرف أصبح قوة مؤثرة في السياسة الأوروبية، وقد شهدت عدة دول مثل النمسا صعودًا قويًا لهذه الحركات لدرجة أنها اقتربت من تشكيل الحكومة. هذا التحول يمكن أن يتسارع في حال فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، خاصة وأن شخصيات مثل إيلون ماسك تتدخل بشكل متزايد في السياسات الأوروبية. تتجلى هذه التدخلات في دعمه لمرشحي اليمين المتطرف في ألمانيا، بالإضافة إلى محاولاته التأثير على الحملة الانتخابية البريطانية.
إضافة إلى ذلك، يُلاحظ أن هناك تقاربًا متزايدًا بين اليمين المتطرف وإسرائيل، خاصة في ظل دعمهم للحرب على غزة وتأثيراتهم في السياسات الأوروبية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
إن قوة هذه التيارات السياسية لم تقتصر على نتائجها الانتخابية فقط، بل أيضًا على قدرتها على جذب الأحزاب التقليدية المحافظة للتنافس على الأصوات المتطرفة. هذه الديناميكية توحي بزيادة نفوذ هذه الأحزاب في المستقبل القريب.




