إقتصاد

صدمة النّفط الجديدة: كندا بين ذاكرة السبعينيّات واحتمال تقنين الوقود بعد حرب إيران

في مشهد يعيد إلى الأذهان واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ أسواق الطاقة، تعيش كندا والعالم اليوم على وقع قفزة حادة في أسعار النفط، مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما أعاد سيناريوهات كانت تُعدّ حتى وقت قريب بعيدة الاحتمال.

مع تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، وارتفاع متوسط سعر البنزين في كندا إلى نحو 1.68 دولار للتر بعد أن كان 1.29 دولار فقط قبل أسابيع، يواجه المستهلك الكندي واقعًا اقتصاديًا يفرض إعادة حسابات دقيقة على مستوى الأسرة والشركات، وفق بيانات رابطة السيارات الكندية. هذا الارتفاع السريع ينعكس على جميع قطاعات الاقتصاد، من النقل إلى الغذاء والخدمات الأساسية، ويزيد من الضغوط على حياة المواطنين اليومية.

اللافت أن ما يحدث يحمل تشابهاً مع أحداث سبعينيات القرن الماضي، عندما شهدت كندا والولايات المتحدة صدمات حادة في سوق النفط بسبب الثورة الإيرانية، ما أدى إلى انقطاع ملايين البراميل من الإنتاج العالمي ودفع الحكومات إلى التفكير في خيارات استثنائية مثل تقنين الوقود. وعلق الخبير في اقتصاد الطاقة بيتر ترتزاكيان، وفق تصريح نقلته شبكة سي بي سي نيوز، أن هناك “تشابهًا مقلقًا مع أزمة السبعينيات”، مضيفًا أن “الجغرافيا هي نفسها، والظروف متقاربة”.

ينتظر الأمريكيون الوقود في طوابير طويلة أمام محطة بنزين في 15 يونيو 1979 – الصورة لـ لايبراري أوف كونجرس عبر سي بي سي نيوز

ذاكرة الأزمات: الاستعداد للتقنين وأثره على السياسات اليوم

تُظهر مراجعة التاريخ أن كندا كانت على أعتاب إجراءات غير مسبوقة. كشف أرشيف حكومي يعود لعام 1979 أن السلطات أعدّت قسائم لتقنين البنزين بواقع 50 لترًا لكل حامل، لضمان توزيع الوقود بعدالة بين المواطنين والخدمات الأساسية مثل الإسعاف والزراعة. ورغم أن هذه القسائم لم تُستخدم فعليًا، إلا أنها كانت دليلًا على استعداد الدولة للتدخل في أوقات الأزمات.

يوضح الخبير ترتزاكيان أن نظام التقنين كان سيتيح الأولوية للخدمات الحيوية، بينما يضمن للمواطنين حصصًا محدودة، وهو درس مهم في إدارة الموارد النادرة. كما طبقت بعض الولايات الأمريكية نظام “الأرقام الفردية والزوجية” لتنظيم التزود بالوقود، وظهرت الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين، ما يعكس حجم الصدمات التي يمكن أن تحدثها اضطرابات النفط على الاقتصاد والمجتمع.

اليوم، رغم التطور التكنولوجي وزيادة الإنتاج المحلي، فإن المخاطر ما زالت قائمة. العالم يعتمد بشكل كبير على النفط، وأي اضطراب في الإمدادات يعكس أثرًا سريعًا وواسع النطاق على الأسواق. وفي تحليل نشرته بي إن إن بلومبيرغ، أكد الخبراء أن تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار “ليس مجرد رقم نفسي، بل مؤشر على اختلال حقيقي في التوازن بين العرض والطلب”، مضيفين أن أي تصعيد إضافي قد يدفع الأسعار إلى 150 دولارًا للبرميل أو أكثر، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات غير تقليدية لإدارة الوقود والطاقة.

كما رصدت تقارير دولية أن بعض الدول الآسيوية بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات لتقليل استهلاك الوقود، مثل تقليص ساعات العمل والعمل من المنزل، في مؤشر على أن الأزمة قد تغيّر سلوكيات اقتصادية واجتماعية واسعة.

على الصعيد الداخلي، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح في حياة المواطنين. فقد نقلت صحيفة تورنتو ستار أن الكنديين “يواجهون ضغوطًا متزايدة مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود وتأثيره على تكاليف المعيشة”، بينما أفادت سي تي في نيوز بأن هذا الارتفاع “يجبر الأسر والشركات على إعادة تقييم الإنفاق اليومي”.

كل هذه المعطيات تشير إلى تحول أزمة الطاقة من ملف اقتصادي إلى قضية اجتماعية وسياسية تمتد تأثيراتها إلى كل جوانب الحياة، من جيوب المواطنين إلى سياسات الحكومة والإنتاج الوطني.

تظهر هذه الصورة إعادة تزويد طائرة بالوقود في مطار جزيرة تورونتو، ما يعكس كيف يطال ارتفاع أسعار النفط واستعدادات التقنين كافة جوانب النقل والطيران في كندا. مشهد يوم 18 مارس 2026 يبرز تأثير الأزمة على حركة الطيران واللوجستيات الحيوية في قلب المدن الكبرى – الصورة لـ بلومبيرغ | غيتي إيماجيس عبر أميريكان اونلاين التابعة لمنصة ياهو

هل يعود شبح التقنين؟

مع استمرار الضغوط على السوق، يثار سؤال التقنين من جديد. يرى الخبراء أن كندا، رغم قدرتها على مواجهة الصدمات اليوم بشكل أفضل مقارنة بالسبعينيات بفضل تنوع مصادر الطاقة والإنتاج المحلي، قد تضطر إلى النظر في هذا الخيار إذا وصلت الأسعار إلى مستويات تجعل الوقود محدودًا للأثرياء فقط.

وصرح ترتزاكيان لشبكة سي بي سي، أن التقنين قد يُستخدم لضمان توزيع عادل للوقود في حال استمرار ارتفاع الأسعار، وأضاف أن السيناريو الأكثر احتمالًا يشمل نقصًا فعليًا في الإمدادات أو ارتفاعًا مفرطًا في الأسعار، مما يجعل التدخل الحكومي خيارًا منطقيًا للحفاظ على العدالة الاجتماعية.

أي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط يمكن أن يفاقم حالة عدم اليقين، حيث لم تعد المخاوف تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تشمل احتمال حدوث نقص فعلي في الإمدادات. وتضع هذه المؤشرات الاقتصاد العالمي أمام اختبار استراتيجي حقيقي، حيث أي تأخير في التدخل أو سوء تقدير قد يفاقم الأزمة ويجعل الخيارات المستقبلية أكثر صعوبة.

يؤكد ترتزاكيان أن “كل شيء ممكن في زمن أزمات الطاقة”، ما يجعل اللحظة الراهنة فرصة لإعادة التفكير في استراتيجيات الأمن الطاقي والسياسات الاقتصادية على المستويين الوطني والدولي. وفي ضوء هذه المخاطر، يصبح من الضروري أن تتضافر الجهود بين الحكومات والشركات والمستهلكين لضمان قدرة الاقتصاد على مواجهة أي صدمة مستقبلية، وتجنب تكرار أخطاء الماضي التي قد تُكلف المجتمع أعباء باهظة على المستوى المالي والاجتماعي.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل