أزمةُ بريدِ كندا: اتّفاقٌ مبدّئي يُوقّف نزاعًا دام عامين وسط خسائر ماليّة غير مسبُوقة
بعد أكثر من عامين من النزاعات العمالية المتواصلة، توصل بريد كندا والنقابة التي تمثل 53,000 موظف عبر كامل تراب البلاد، وهي اتحاد عمال البريد (CUPW)، إلى اتفاق مبدئي لإنهاء النزاع الذي أفضى إلى إضرابين وطنيين متتاليين، وفقًا لما أعلنته مصادر رسمية محلية، أمس الجمعة.
الاتفاق المبدئي لم يُكشف عن تفاصيله القانونية الكاملة بعد، ويعمل الطرفان على صياغتها قبل عرض العقد النهائي للتصويت من قبل أعضاء النقابة. وأكد اتحاد عمال البريد أنه حتى الانتهاء من الاتفاق النهائي، سيتم تعليق الإضراب ولن تقوم إدارة البريد بإيقاف الموظفين عن العمل.
الاتفاقية المبدئية تخفف الضغط على الشركات
وجاء الاتفاق في توقيت حرج قبل موسم الأعياد المزدحم، إذ عانى رجال الأعمال الصغار من اضطرابات التسليم، خصوصًا المنشورات الإعلانية.
دان كيلي، الرئيس التنفيذي للاتحاد الكندي للأعمال المستقلة، وصف الاتفاق بأنه خبر سار لإنقاذ جزء من موسم العطلات، مشيرًا إلى أن بعض التجار كانوا مترددين في الاعتماد على خدمات البريد بسبب الإضرابات المتقطعة.
من جهته، أكد أستاذ الدراسات العمالية في جامعة يورك، ستيفن تافتس، أن “أفضل ما يمكن توقعه هو اتفاق يمكن لكلا الطرفين التعايش معه”، بينما أضافت أستاذة جامعة ماكماستر، ستيفاني روس، أن التحديات التي يواجهها عمال البريد لم تنته بعد، وتأمل أن يمنحهم الاتفاق حماية للتنقل مع التغييرات القادمة بكرامة.

خسائر مالية غير مسبوقة
بجانب النزاع العمالي، يعاني البريد الكندي من أزمة مالية غير مسبوقة. فقد أعلنت الشركة عن خسارة 541 مليون دولار قبل الضرائب في الربع الثالث من 2025، وهو أعلى ربع خسارة في تاريخها، بينما تجاوزت خسائر التشغيل السنوية مليار دولار، مع ما يقارب 535 مليون دولار خسائر ربع سنوية وحدها.
تراجع الإيرادات جاء نتيجة عدة عوامل، أبرزها الإضرابات المتكررة التي دفعت العملاء إلى المنافسين، وانخفاض حجم الطرود بحوالي 27 مليون قطعة، ما أدى إلى تراجع إيرادات قسم الطرود بنسبة 40٪ لتصل إلى 450 مليون دولار، وهي الأعلى في تاريخ الشركة.
وأوضح الرئيس التنفيذي، دوغ إيتينجر، أن الشركة تتوقع تقاعد 16,000 موظف أو مغادرتهم طوعًا بحلول 2030، إضافة إلى 14,000 موظف آخرين بحلول 2035، في محاولة للسيطرة على التكاليف وتحقيق استدامة مالية.

إعادة الهيكلة وخطة النجاة
لمواجهة الأزمة، أعطت الحكومة الفيدرالية الضوء الأخضر لإعادة هيكلة شاملة للبريد الكندي ابتداءً من سبتمبر الماضي، شملت هذه الخطة إلغاء التوصيل إلى المنازل وزيادة الاعتماد على صناديق البريد المجتمعية، وكذا إغلاق بعض مكاتب البريد الريفية، وتحديث شبكة المكاتب عبر التراب الكندي.
وأكد وزير البنية التحتية الفيدرالي، جويل لايتباوند، أن هذه التغييرات ضرورية لمواجهة أزمة وجودية تهدد بقاء الشركة، مستندًا إلى توصيات لجنة التحقيق الصناعية التي أوصت بإصلاح نموذج التسليم للحفاظ على استدامة الشركة.
وأعربت النقابة عن قلقها من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تقليص الخدمات وفقدان الوظائف، وهو ما أدى في السابق إلى رفض الأعضاء “العرض النهائي” لشركة البريد في أغسطس 2025، الذي كان يتضمن زيادة أجور بنسبة 13٪ على أربع سنوات ومكافأة توقيع قدرها 1,000 دولار.
ويعد هذا الاتفاق المبدئي مع اتحاد عمال البريد الكندي حلاً لتقليل الخسائر، حيث يمنح الشركة فترة تهدئة مؤقتة قبل موسم العطلات، لكنه ليس ضمانًا للاستقرار المالي أو استمرار الوظائف. مع انخفاض الإيرادات المستمر والخسائر التاريخية، تظل مسألة بقاء المؤسسة الوطنية للبريد في خدمة المواطنين تحديًا وجوديًا لكل من الحكومة الكندية والشركة على حد سواء.



