كنـدا الآن

كندا على وشكِّ الاعترافِ بدولةِ فلسطِين وتعليقِ صفقاتِ السِّلاح مع إسرائِيل

بينما تتصاعد جرائم الإبادة والتجويع في غزة وتتوالى الشهادات الدولية حول الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المدنيين، تتجه كندا نحو مفترق حاسم في سياساتها الخارجية، وسط ضغوط غير مسبوقة للاعتراف بدولة فلسطين وفرض حظر شامل على تصدير الأسلحة لإسرائيل. التحولات الأخيرة التي تشهدها أوتاوا لم تأتِ من فراغ، بل تشكلت على وقع تطورات ميدانية، وضغط شعبي، ونقاش دبلوماسي يتوسع في الداخل الكندي.

في تطور لافت، وقع 173 دبلوماسيًا كنديًا سابقًا من سفراء وقناصل ومبعوثين لدى الأمم المتحدة رسالة مفتوحة نشرتها وكالة “ذا كنديان برس”، طالبوا فيها الحكومة الفيدرالية باتخاذ خطوات عاجلة لوقف التواطؤ مع ما وصفوه بـ”سياسة العقاب الجماعي والتمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل”. تضمنت الرسالة مطالب واضحة: الاعتراف الفوري بدولة فلسطين، وحظر شامل لتصدير الأسلحة، وتعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل في حال استمر العدوان. واعتبر الموقعون أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس منّة أو مخاطرة دبلوماسية، بل واجب أخلاقي وضرورة سياسية، لا سيما وأن أكثر من 140 دولة حول العالم اتخذت هذه الخطوة، فيما لا تزال كندا، كما وصفوها، “تتلكأ خلف خطاب مزدوج بين دعم حل الدولتين والامتناع عن الفعل الحقيقي”.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي واجه ضغوطًا متصاعدة من المعارضة اليسارية ومن داخل حزبه الليبرالي، خرج عن صمته في 19 يوليو بتصريحات شديدة اللهجة ضد إسرائيل، واصفًا سيطرتها على المساعدات الإنسانية في غزة بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي”. وقال كارني في مؤتمر صحفي: “يجب أن تتولى الأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة مسؤولية توزيع المساعدات الإنسانية بشكل كامل وعادل، بعيدًا عن أي تدخل إسرائيلي سياسي أو عسكري.” ورغم هذه اللغة الحازمة، لم يعلن كارني بعد عن اعتراف رسمي بدولة فلسطين، مكتفيًا بالإشارة إلى “تجميد محدود لبعض تراخيص تصدير الأسلحة”، مما أثار انتقادات من منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية كندا التي وثقت استخدام أسلحة كندية في الهجمات على مناطق مأهولة في غزة.

متظاهرون مؤيدون لفلسطين يتجمعون في هيل البرلمان خلال “المسيرة الوطنية لفلسطين” في أوتاوا، السبت 12 أبريل 2025، في إطار الضغط الشعبي على الحكومة الكندية للاعتراف بدولة فلسطين ووقف دعم إسرائيل عسكريًا – الصورة لـ ذا كنـديان برس عبر سي تي في

لكن مصادر دبلوماسية كندية رفيعة المستوى أكدت لوسائل إعلام محلية أن الحكومة الليبرالية تدرس جدياً الاعتراف بدولة فلسطين، مع احتمال إعلان رسمي خلال سبتمبر 2025، في حال استمر الحصار والعدوان الإسرائيلي، وغياب التقدم في وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية. كما أشارت هذه المصادر إلى تنسيق دبلوماسي مع حلفاء غربيين، أبرزهم بريطانيا وإيرلندا، لإعلان اعترافات متزامنة تدعم المسار الدولي نحو حل الدولتين.

على الصعيد الدولي، يبدو أن الموقف الكندي بات متأخرًا نسبيًا مقارنة بدول مثل إيرلندا وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا التي أعلنت نواياها الاعترافية، وعملت على تنسيق خطواتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن الموقف الكندي الجديد، حسب مراقبين، يأتي في توقيت حاسم يعكس تراجعًا عن سنوات من التردد والمراوغة، ليكون “موقفًا جادًا يحمل رسالة سياسية واضحة تعبر عن قيم كندا الراسخة في حقوق الإنسان والعدالة الدولية”.

في الداخل، تنامت احتجاجات شعبية في تورنتو ومونتريال وفانكوفر وغيرها، ترفع شعارات تطالب الحكومة بـ”وقف شحنات السلاح فورًا” و”الاعتراف بالدولة الفلسطينية كأقل ما يمكن فعله بعد سقوط عشرات الآلاف من المدنيين”. كشفت استطلاعات رأي حديثة أجرتها شركة “ليجيه” لصالح قناة سي تي في أن 58% من الكنديين يؤيدون الاعتراف بدولة فلسطين، و65% يطالبون بحظر تصدير الأسلحة لإسرائيل، بينما 71% يرون أن الحكومة “تتصرف ببطء ومراوغة” مقارنة بمسؤولياتها الأخلاقية والدولية.

لكن في المقابل، تواجه حكومة كارني معارضة قوية من حزب المحافظين الذي يرفض الاعتراف الفلسطيني، ويصفه بأنه “مكافأة لحركة حماس”، بالإضافة إلى تحركات مكثفة من لوبيات مؤيدة لإسرائيل مثل مركز إسرائيل والشؤون اليهودية، التي تحذر من أن الحظر على السلاح قد يضر بالأمن الإسرائيلي ويُضعف التحالفات الغربية.

المشهد السياسي الكندي يعكس اليوم صراعًا أعمق بين قيم العدالة وواقع المصالح، حيث يعيد أكثر من 170 دبلوماسيًا سابقًا، مدعومين بأكاديميين ومنظمات حقوقية، تشكيل الخطاب العام، واضعين الدولة أمام سؤال وجودي: هل ستصمت أمام مجازر موثقة؟ وهل يكفي الالتزام بخطاب حل الدولتين دون فعل ملموس؟

علم كندا يرفرف من عمود إنارة على الطريق أمام مباني البرلمان في أوتاوا، الثلاثاء 30 يونيو 2020، رمزاً للهوية الوطنية وسط النقاشات المتجددة حول السياسة الخارجية الكندية تجاه فلسطين وإسرائيل – الصورة لـ ذا كنـديان برس عبر تورنتو ستـار

مارك كارني، الذي صعد على وعد بإعادة القيادة الأخلاقية إلى السياسة الخارجية، يواجه اختبارًا مصيريًا. تصريحاته الأخيرة، التي تضمنت انتقادًا حادًا لإسرائيل على خلفية حصار غزة، تُظهر نبرة متشددة، لكنه حتى الآن يؤجل الإعلان الرسمي عن الاعتراف الفلسطيني، مع استمرار سياسة الحذر تجاه حظر السلاح، رغم الضغوط المتزايدة داخليًا وخارجيًا.

في لحظة دولية تتسع فيها عزلة إسرائيل وتتصاعد الدعوات لإنهاء الإفلات من العقاب، فإن الخطوة المقبلة التي ستتخذها أوتاوا ليست فقط قرارًا دبلوماسيًا، بل مؤشرًا على مكانة كندا في معركة العدالة الإنسانية والسياسية. الاعتراف بفلسطين ووقف شحنات السلاح ليسا مجرد قرارات تقنية، بل امتحان لجوهر القيم الكندية.

وحين يرفع مئات الآلاف أصواتهم، ويتحدث أكثر من 170 دبلوماسيًا سابقًا، وتكشف الاستطلاعات عن غلبة الرأي المؤيد للعدالة، فإن تجاهل ذلك سيكون فشلاً أخلاقيًا ومقامرة سياسية قد تعيد تشكيل المشهد الانتخابي في السنوات القادمة.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل