أوروبَّا تُطلِقُ صفَّارةَ إنذارٍ نووِيّ لطهران: عُقوبَاتٌ أمميَّةٌ أو تصعيدٌ وشِيك
في لحظة فارقة من عمر الصراع النووي الإيراني، أصدرت أوروبا أقوى تحذير لها منذ سنوات، مُعلنةً أنها على بُعد خطوات من تفعيل آلية العقوبات الأممية الكاملة على طهران، إذا لم تتراجع فورًا عن تصعيدها النووي غير المسبوق. الإنذار الأوروبي، الصادر اليوم الخميس، لم يكن مجرّد بيان ديبلوماسي، بل إعلان صريح بأن نافذة التفاوض تضيق بسرعة، وأن البدائل المتبقية تتجه نحو سيناريوهات أكثر حدة واشتباكًا. في المقابل، لم تُظهر إيران أي تراجع، بل اختارت المواجهة المفتوحة، متمسكة بما وصفته بـ”حقها السيادي في تخصيب اليورانيوم”، رافضة لغة التهديدات ومُعلنة إنهاء تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبين خطوط التوتر هذه، تتدحرج الأزمة نحو مرحلة قد لا تحتمل المزيد من الانتظار أو الحسابات الباردة.
التحرك الأوروبي جاء عقب تقرير صارخ من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكد أن إيران رفعت مستويات تخصيب اليورانيوم إلى 60% في منشأتي “نطنز” و”فوردو”، وهو مستوى يقترب عمليًا من العتبة التقنية لصناعة سلاح نووي. واعتبرت الوكالة أن استمرار إيران في هذا المسار دون رقابة دولية يمثل خطرًا “داهمًا على الأمن الإقليمي والدولي”، وفق ما أوردته وكالة رويترز. على ضوء هذه التطورات، أكدت دول “الترويكا” الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) أنها ستلجأ لتفعيل آلية “العودة التلقائية للعقوبات” بموجب قرار مجلس الأمن 2231، إذا لم تُسجل خطوات ملموسة قبل نهاية أغسطس.
بيان الاتحاد الأوروبي وصف البرنامج النووي الإيراني بأنه “يتجاوز الأغراض السلمية بشكل واضح”، مضيفًا أن “امتلاك إيران لسلاح نووي ليس خيارًا مقبولًا، وستتم مواجهته بكل الوسائل السياسية والديبلوماسية”. أما فرنسا، فقد حذرت من أن الوقت “ينفد بسرعة”، فيما أكدت بريطانيا أن “التهديد لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا يجب التعامل معه بصرامة”.

من جانبها، ردّت إيران برد حادّ وصفه مراقبون بأنه “إغلاق للأبواب الديبلوماسية”. ففي اليوم نفسه، أعلن البرلمان الإيراني، بدعم مباشر من مجلس الأمن القومي، تعليق التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإلغاء التصاريح الممنوحة لعمليات التفتيش، كما أكد المرشد الأعلى علي خامنئي أن “التخلي عن تخصيب اليورانيوم مرفوض تمامًا”، معتبرًا التهديد الأوروبي “ورقة محروقة لن تُجدي نفعًا”، بحسب وكالة تسنيم الرسمية.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفي تصريح نقلته وكالة مهر، وصف التهديدات الأوروبية بأنها “مسرحية سياسية هدفها الضغط وليس التفاوض”، وأضاف: “إذا فُعلت آلية “سناب باك”، فإن أوروبا تكون قد أغلقت آخر نوافذ الحوار، وسنرد بخطوات استراتيجية قاسية”.
الموقف الأميركي بدا متقاربًا مع الطرح الأوروبي. ففي بيان لمجلس الأمن القومي الأميركي نقلته شبكة” سي آن آن”، أكد البيت الأبيض أن “واشنطن لن تسمح لإيران ببلوغ القدرة النووية الكاملة، وسنواصل العمل مع الحلفاء لإجبار طهران على التراجع أو مواجهة العواقب”. وتشير تقارير استخباراتية غربية، أبرزها ما نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، إلى أن هناك “تعاونًا استخباراتيًا أميركيًا-إسرائيليًا متزايدًا” لمراقبة المنشآت النووية الإيرانية، واحتمال اللجوء لعمليات سيبرانية أو هجومية محدودة.
أما روسيا، التي ما تزال تُعد حليفًا سياسيًا واقتصاديًا لطهران، فقد دعت إلى ضبط النفس، وحذرت من أن العودة للعقوبات الأممية “دون قرار جماعي من مجلس الأمن سيقوض مصداقية النظام الدولي”، وفق ما أوردته وكالة تاس الروسية.
الدول الخليجية لم تُخفِ قلقها من الانزلاق نحو المواجهة. وفي بيان مشترك صدر عن مجلس التعاون الخليجي، دعت الإمارات وقطر والسعودية إلى “ضرورة العودة للمفاوضات تحت مظلة أممية تضمن الأمن الإقليمي وتحمي مصالح دول المنطقة”، محذّرة من أن أي انهيار إضافي في الاتفاق النووي “سيخلق فراغًا استراتيجيًا لا تُحتمل عواقبه”.
التحذيرات الإقليمية تتقاطع مع تصعيد ميداني متزايد، شمل تقارير عن ضربات سيبرانية استهدفت منشآت نووية، وطلعات جوية إسرائيلية رُصدت في محيط المجال الجوي السوري والعراقي. ورغم نفي إسرائيل تنفيذ أي عمليات مباشرة، فإن التصريحات الصادرة عن مسؤوليها، وفقًا لصحيفة هآرتس، تؤكد أن “الخيارات العسكرية مطروحة بقوة إذا فشلت الجهود الدولية في كبح المشروع النووي الإيراني”.

إن المهلة التي حددتها أوروبا حتى نهاية أغسطس 2025 تبدو الآن حاسمة. فإما أن تفتح إيران الباب أمام اتفاق جديد يضمن رقابة دولية كاملة وتخفيض مستويات التخصيب، أو أن تُواجه طهران موجة جديدة من العقوبات الأممية الشاملة قد تطال قطاعاتها المالية والصناعية وحتى صادراتها النفطية. لكن الأسوأ، كما يحذر مراقبون، هو أن يؤدي الانهيار الكامل للعملية الديبلوماسية إلى اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة، قد تبدأ بضربات محدودة وتنتهي بانفجار إقليمي شامل، يعيد تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط ويهدد استقرار الطاقة العالمي.
باختصار، العالم يقف أمام مفترق حاسم: إما الديبلوماسية بشروط جديدة أكثر صرامة، أو الانزلاق إلى مرحلة اللاعودة. وإذا لم تُظهر طهران مرونة حقيقية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فإن صفّارة الإنذار الأوروبية قد تكون حقًا آخر صوت قبل العاصفة.



