إقتصاد

وكالةُ الإيراداتِ الكنديّة تبدأُ إجراءاتٍ صارمة لاستردادِ أكثر من 10 ملياراتِ دُولار من إعاناتِ كوفيد-19

أوتـاوا | بعد نحو خمس سنوات على أكبر تدخل مالي حكومي في تاريخ كندا الحديث، تعود تداعيات جائحة كوفيد-19 لتفرض نفسها على المشهد الاقتصادي والمالي، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة: استرداد الأموال لا توزيعها. فقد أعلنت وكالة الإيرادات الكندية أنها تسعى لاسترجاع أكثر من 10.35 مليارات دولار صُرفت كإعانات طارئة خلال الجائحة لأفراد تبين لاحقًا أنهم غير مؤهلين لها أو تلقوا مبالغ زائدة عن استحقاقهم.

وبحسب “ذا كنديان برس”، فإن هذا الرقم لا يعكس مجرد خلل إداري عابر، بل يفتح ملفًا اقتصاديًا شائكًا حول كلفة الاستجابة السريعة للأزمات، وحدود الثقة بين الدولة والمواطن، والرهانات الاجتماعية والمالية في مرحلة ما بعد الجائحة.

83.5 مليار دولار صُرفت والفاتورة المؤجلة تظهر الآن

تشير بيانات وكالة الإيرادات الكندية إلى أن إجمالي ما تم صرفه من إعانات كوفيد-19 بلغ 83.5 مليار دولار، كان النصيب الأكبر منها لبرنامج إعانة الاستجابة الطارئة الكندية الذي استحوذ وحده على 45.3 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام حجم الصدمة الاقتصادية التي واجهتها البلاد عام 2020، حين اضطرت الحكومة لضخ سيولة هائلة في السوق خلال فترة وجيزة لتفادي انهيار اجتماعي واسع.

غير أن السرعة كانت سلاحًا ذا حدين، إذ تم اعتماد آلية التصريح الذاتي في تقديم الطلبات، ما يعني أن المستفيدين اكتفوا بتأكيد استيفائهم لشروط الأهلية، مع التنبيه منذ البداية إلى أن المعلومات قد تخضع لاحقًا للتدقيق والتحقق.

وفي هذا السياق، قالت المتحدثة باسم الوكالة، نينا يوسوبوفا: “كان من الضروري إيصال الإعانات الطارئة بسرعة فائقة إلى ملايين الكنديين، لذلك اعتمدنا نظام التصريح الذاتي بدءًا من برنامج إعانة الاستجابة الطارئة الكندية، مع علم الأفراد بأن وكالة الإيرادات الكندية قد تتحقق من هذه المعلومات لاحقًا.”

وتشير يوسوبوفا أيضًا إلى أن البلاد تدخل اليوم مرحلة التدقيق والمحاسبة، حيث تتحول آلية التصريح الذاتي إلى استرداد الأموال ومراجعة الالتزامات المالية للمستفيدين، مؤكدة أن الدعم الحكومي، مهما كان عاجلًا وسخيًا، ليس بلا محاسبة.

تتحمل الحكومة الكندية المسؤولية عن الإشراف على وكالة الإيرادات في مهمة صعبة لاسترداد المبالغ الضخمة من إعانات كوفيد-19، مع ضمان العدالة للمستفيدين وحماية الأموال العامة عبر إجراءات قانونية صارمة – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر غلوبال نيوز

1.4 مليون شخص سددوا و3.3 مليارات عادت إلى الخزينة

حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قام نحو 1.4 مليون شخص بسداد ما يقارب 3.3 مليارات دولار من الديون المرتبطة بإعانات كوفيد-19 الفردية. ورغم أهمية هذا الرقم، فإنه لا يغطي سوى جزء محدود من إجمالي المبلغ المستحق، ما يعني أن أكثر من 7 مليارات دولار لا تزال عالقة.

وتوضح الوكالة أن هذه الأرقام تخص فقط الإعانات التي أدارتها مباشرة، ولا تشمل البرامج التي كانت تحت إشراف وزارة التوظيف والتنمية الاجتماعية الكندية، ما يفتح الباب أمام احتمال أن تكون القيمة الإجمالية للديون المرتبطة بالجائحة أعلى من ذلك.

اقتصاديًا، يشكل هذا الواقع ضغطًا مزدوجًا: فمن جهة تسعى الحكومة لتعزيز الانضباط المالي وتقليص العجز، ومن جهة أخرى تواجه شريحة واسعة من المواطنين الذين لا يزالون يعانون من تبعات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

من الرسائل إلى الإجراءات القانونية: تشدد حكومي بلا مواربة

بدأت وكالة الإيرادات الكندية إرسال رسائل الاسترداد إلى المدينين منذ عام 2023، في خطوة تمثل التحول الرسمي من مرحلة “المرونة” إلى مرحلة “الحزم”، مؤكدة أنها تعتمد إجراءات صارمة ومسؤولة بحق من يتجنبون التسديد رغم قدرتهم المالية.

وتوضح يوسوبوفا: “إذا ثبت أن دافع الضرائب قادر على سداد دينه، ولم يقم بذلك أو لم يتوصل إلى ترتيب مقبول، فإن الوكالة قد تلجأ إلى إجراءات قانونية لتحصيل المبالغ المستحقة.”

وتشمل هذه الإجراءات حجز مبالغ من الاستردادات الضريبية المستقبلية، اقتطاع الأجور أو مصادر دخل أخرى، واستخدام جميع الوسائل القانونية المتاحة. هذه اللهجة الصارمة تعكس تحوّلًا واضحًا في فلسفة الدولة: من دعم غير مشروط تقريبًا في زمن الأزمة، إلى محاسبة دقيقة في زمن التعافي.

وكالة الإيرادات الكندية تتحرك لاسترداد المبالغ غير المستحقة من 83.5 مليار دولار صرفت كإعانات كوفيد-19، منها 45.3 مليار دولار لبرنامج الاستجابة الطارئة، عبر إجراءات قانونية صارمة تكفل المساءلة وحماية الأموال العامة – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر ذا غلوبال نيوز

هل كانت الفوضى الاقتصادية حتمية؟

تثير هذه التطورات سؤالًا محوريًا في قلب السياسة الاقتصادية: هل كان بالإمكان تفادي هذا الكم الكبير من الديون؟

الجواب، بحسب خبراء المراقبة، ليس بسيطًا. ففي ذروة الجائحة، واجهت الحكومة الكندية خيارًا حادًا: التحرك بسرعة مع قبول هامش خطأ مرتفع، أو تباطؤ آليات الصرف مع المخاطرة بانهيار اجتماعي واسع، حيث اختارت أوتاوا الخيار الأول، وهي اليوم تدفع ثمنه إداريًا وسياسيًا، إذ فتحت آلية التصريح الذاتي الباب أمام سوء استخدام الإعانات، سواء عن قصد أو نتيجة الجهل بالمعايير، خصوصًا مع تغيّر شروط الأهلية وتداخل البرامج.

التداعيات الاجتماعية: بين العدالة والقدرة على السداد

ورغم أن وكالة الإيرادات الكندية تؤكد أنها تميز بين من لا يستطيع ومن لا يريد الدفع، تظل عملية الاسترداد حساسة اجتماعيًا، إذ إن عدداً من المدينين هم من العمال ذوي الدخل المحدود أو من فقدوا وظائفهم خلال الجائحة ولم يستعيدوا استقرارهم المالي الكامل بعد.

وفي هذا السياق، تحاول الوكالة الموازنة بين العدالة الضريبية والواقعية الاجتماعية عبر إتاحة خطط سداد مرنة، إلا أن الخط الأحمر يبقى واضحًا: القدرة على الدفع تعني الالتزام بالدفع.

تكشف قضية ديون إعانات كوفيد-19 عن درس مزدوج. بالنسبة للدولة، تؤكد أن إدارة الأزمات الكبرى تتطلب لاحقًا أنظمة تدقيق واسترداد قوية لتفادي تحول الدعم الطارئ إلى عبء دائم على المالية العامة. وبالنسبة للمواطنين، فهي تذكير بأن الدعم الحكومي، مهما كان عاجلًا وسخيًا، ليس بلا محاسبة.

ومع استمرار وكالة الإيرادات الكندية في حملتها لاسترداد ما تبقى من المبالغ، يبدو أن ملف كوفيد-19 المالي لم يُغلق بعد، وأن آثار الجائحة ستظل حاضرة في دفاتر الدولة وجيوب المواطنين لسنوات قادمة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل