إقتصاد

كندا تُدشِّـن أَضخم وكالةٍ فيدراليّة لمُواجهةِ أزمةِ السّكن بـ 13 مليار دُولار

الحكومة تُخطّط لبِناء 4,000 وحدةٍ مصنّعةٍ في المرحلة الأولى، مع توسيع الخُطّة لاحقًا إلى 45,000 وحدة، وتَخصيصِ 1.5 مليار دُولار لصندوقِ حمايةِ الإيجارات و1 مليار للمساكن الانتقالية


في خطوة وُصفت بأنها الأجرأ منذ عقود في ملف الإسكان، أعلن رئيس الوزراء مارك كارني الأحد عن إنشاء وكالة فيدرالية جديدة تحت اسم “بيـلد كندا هومز” بميزانية أولية قدرها 13 مليار دولار، بهدف كبح جماح أزمة السكن التي تضرب البلاد منذ سنوات. الإعلان الذي نقلته وسائل إعلام محلية أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية، إذ يضع الحكومة الفيدرالية في موقع المطوّر المباشر بدلًا من الاكتفاء بدور الداعم أو المموِّل.

كارني أكد خلال مؤتمر صحفي أن حكومته “تركّز بلا هوادة على خفض تكاليف السكن”، مضيفًا أن المشروع لا يتعلق فقط بالكمّ، بل بإعادة صياغة المشهد السكني من خلال اعتماد منازل مسبقة الصنع، وتسريع الموافقات، وتخصيص أراضٍ فيدرالية للبناء. ووفق المكتب الرسمي لرئاسة الوزراء، تهدف الوكالة إلى خفض مدة البناء بنسبة تصل إلى 50% وتقليص الكلفة بحوالي 20%، في وقت لم تعد فيه أزمة السكن تحتمل المزيد من الانتظار.

ملف اقتصادي ضاغط بأبعاد اجتماعية

وفق محللين، فإن ملف السكن لم يعد مجرد قضية اجتماعية، بل تحوّل إلى أزمة اقتصادية كبرى تهدد الاستقرار الداخلي. ضخ 13 مليار دولار في قطاع البناء يعني انعكاسات مباشرة على الموازنة الفيدرالية وعلى معدلات التضخم، بينما ترى الحكومة في هذه الاستثمارات رافعة لتحريك سوق العمل وخلق آلاف الوظائف.

ووفق بيانات المؤسسة الكندية للرهن والإسكان، ارتفع معدل الشغور للوحدات المخصصة للإيجار إلى 2.2% في عام 2024 مقارنة بـ1.5% في 2023، لكنه يبقى أقل بكثير من المتوسط التاريخي، ما يعكس استمرار اختناق السوق. كما أشار تقرير نشرته صحيفة “ذا غلوب أند مايل” إلى أن أسعار الإيجارات في تورونتو وفانكوفر بلغت مستويات قياسية، مع تسجيل زيادات تفوق 10% سنويًا في بعض الأحياء، وهو ما يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويفاقم أزمة الطبقة الوسطى.

إعلان كارني عن إطلاق وكالة “Build Canada Homes” يمثل خطوة جريئة لمعالجة أزمة السكن المزمنة في كندا، مركّزًا على بناء وحدات ميسّرة وتحفيز السوق العقاري. بيد أن التحديات تبقى قائمة في التنفيذ وتمويل المشاريع لضمان تأثير ملموس على الأسر – الصورة لـ سي بي سي نيوز

خطة حكومية متعددة الأبعاد

الخطة الحكومية تتضمن بناء 4,000 وحدة سكنية مصنّعة كمرحلة أولى في ست مدن كبرى، مع القدرة على التوسع لاحقًا إلى 45,000 وحدة باستخدام محفظة الأراضي الفيدرالية. كما خصصت الحكومة 1.5 مليار دولار لصندوق حماية الإيجار لحماية المباني المهددة بالتحول إلى سوق حر، و1 مليار دولار للمساكن الانتقالية والداعمة لفئة المشرّدين أو المعرضين للتشرد. وفي نونافوت، ستُبنى 700 وحدة جديدة بتمويل خاص ضمن شراكة مع الإقليم. خطوة وصفتها “تورونتو ستار” بأنها “مزيج بين الهجوم لبناء الجديد والدفاع للحفاظ على الموجود”.

ترحيب حذر وانتقادات مبكرة

رحبت الجمعية الكندية للإسكان واتحاد التعاونيات السكنية بإطلاق الوكالة، معتبرتين أنها استجابة طال انتظارها لزيادة المخزون غير السوقي من المساكن. وقالت المنظمتان في بيان مشترك إن “إنشاء وكالة بيـلد كندا هومز يمنح المجتمع المدني فرصة تاريخية لتعزيز السكن الميسّر وحماية الأسر محدودة الدخل”.

بيد أن منظمات حقوق السكن أثارت تحفظات جدية، مشيرة إلى أن إشراك القطاع الخاص بشكل موسّع قد يُفرغ المبادرة من مضمونها إذا لم ترافقها ضمانات قوية للحفاظ على الطابع الميسّر للوحدات. وحذّر نشطاء من أن المنازل قد تتحول بمرور الوقت إلى سلعة تجارية باهظة الثمن، بما يتعارض مع الهدف الأساسي.

صورة أرشيفية: صف من المنازل تحت الإنشاء في مشروع سكني بمدينة أليستون، أونتاريو، شمال تورونتو، بتاريخ 16 يناير 2025 – الصورة لـ رويترز عبر ماركيت سكرينر

التحدي الحقيقي: التنفيذ والتمويل

رغم الزخم الإعلامي والسياسي، يكاد يجمع الخبراء على أن التنفيذ هو التحدي الأكبر. الحكومة تراهن على المنازل المصنّعة لخفض التكاليف وتسريع البناء، لكن خبراء الصناعة يحذرون من اختناقات محتملة في سلاسل التوريد ونقص في اليد العاملة الماهرة. تقرير لـ”تورونتو ستار” أشار إلى أن أي تعثر في توفير المواد أو في التنسيق مع البلديات قد ينسف الجدول الزمني الطموح للحكومة.

إلى جانب ذلك، يثير التمويل أسئلة صعبة. فبينما تُعتبر الـ13 مليار دولار دفعة قوية للبداية، يحذّر اقتصاديون من أن حجم الأزمة يتطلب استثمارات مستدامة على مدى سنوات، وليس مبالغ ضخّة دفعة واحدة. ووفق تقديرات رسمية، فإن مضاعفة المخزون غير السوقي إلى 7% من إجمالي المساكن تحتاج إلى تمويل يتجاوز بكثير ما أُعلن عنه.

كما أن التنسيق مع المقاطعات والبلديات سيحدد مصير الخطة. إذ تبقى الموافقات المحلية والتخطيط الحضري والبنى التحتية عناصر لا يمكن تجاوزها، وأي تأخير فيها قد يؤدي إلى بطء يفرغ المبادرة من مضمونها. نجاح وكالة بيـلد كندا هومز مرهون بقدرة الحكومة الفيدرالية على توحيد الجهود مع المقاطعات والبلديات، بحسب خبير نقلت عنه “ذا غلوب أند مايل”.

يُعتبر مشروع “بيـلد كندا هومز” محاولة جريئة لكسر أزمة سكن مزمنة، لكنه محفوف بالتحديات. الخطوة لاقت ترحيبًا مشوبًا بالحذر من الجمعيات المدنية، وأثارت تحفظات من ناشطين ومواطنين يشككون في جدوى التنفيذ السريع. وبينما تَعِد الحكومة بحلول عملية وبمنازل ميسّرة، يبقى السؤال: هل ستكون الـ13 مليار دولار كافية لإحداث تغيير ملموس في سوق يعاني منذ سنوات، أم أن الأزمة ستبقى ورقة سياسية تتقاذفها الحكومات المتعاقبة؟

الجواب، كما يؤكد مراقبون، لن يتضح إلا عندما تبدأ الوحدات الموعودة بالظهور على الأرض، وحينها فقط سيحكم الكنديون إن كانت هذه الخطة قد أحدثت فرقًا حقيقيًا في حياتهم أم لا.

مشروع سكني قيد الإنشاء في نيو تيكومسيث، أونتاريو، بتاريخ 1 أبريل 2025. تأتي هذه الخطوة ضمن جهود الحكومة لتسريع البناء وزيادة المعروض من الوحدات السكنية في ظل أزمة السكن المستمرة في المقاطعة – الصورة لـ سي بي سي نيوز

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل