إِسرائيل تُمعن في اغتيالِ الصحفيّينَ بغزّة وسطَ صمتٍ دوليٍّ مُخزٍ
بعد اغتيال أنسّ الشريف ومحمد قريقع ورفاقِهما في خيمةِ الصحفيين، ارتفعَ عددُ الصحفيينَ المستهدفينَ إلى أكثرَ من 238 صحفيًا، فيما تجاوزَ عددُ الضحايا المدنيين 61 ألفًا بينهم آلافُ الأطفال، وسط استمرارِ سياساتِ التجويعِ والقتلِ في ظلِّ صمتٍ عربيٍّ ودوليٍّ مريب
شمعة إعلامية أخرى انطفأت في غزة. قبل ساعات قليلة، شنّت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة جوية استهدفت خيمة الصحفيين أمام مدخل مستشفى الشفاء، فخلّفت مشهدًا دامياً بدماء خمسة شهداء من الصحافة الحرة، بينهم مراسل قناة الجزيرة أنس الشريف، والصحفي محمد قريقع، إضافة إلى فنيي الكاميرات إبراهيم زاهر ومحمد نوفل، وسائق. جريمة موثقة تعكس استهدافًا ممنهجًا لكل من يحمل الكلمة والصورة في مواجهة الحرب والحصار.
أنس الشريف، الذي نذر حياته لنقل الحقيقة من أزقة مخيم جباليا إلى قلب الجحيم في غزة، لم يكن هدفًا عشوائيًا. فقد تلقى تهديدات متكررة من الجيش الإسرائيلي بالتصفية منتصف عام 2024 وفي يناير 2025، وصولًا إلى الساعات الأخيرة من حياته، حين طُلب منه وقف تغطيته لضحايا العدوان. لكنه، بدلًا من الانصياع، واصل رسالته المهنية والإنسانية حتى قُتل في قصف جوي دقيق استهدف خيمة الصحفيين.
الجيش الإسرائيلي أقرّ بمسؤوليته عن العملية، مدعيًا أن الشريف كان “رئيس خلية لحركة حماس متنكرًا في زي صحفي”، استنادًا إلى “معلومات استخباراتية ووثائق” لم تُعرض علنًا. غير أن هذه المزاعم رفضتها جهات دولية مستقلة، بينها مقررة الأمم المتحدة الخاصة إيرين خان، مؤكدة أنها “غير مثبتة وبدون سند قانوني”.

لجنة حماية الصحفيين أعربت عن “الذهول” من اغتيال الشريف ورفاقه، وحذرت من تصاعد سياسة الاحتلال في استهداف الإعلاميين، ما يمثل خرقًا صارخًا للقوانين الدولية التي تحمي الصحفيين في مناطق النزاع. وتكرار اتهامات “الارتباط بالمقاومة” أصبح ذريعة جاهزة لإسكات الصوت الحر وتبرير الانتهاكات.
في آخر دقيقتين من حياته، نقل محمد قريقع مباشرة لحظة القصف العنيف، محذرًا من أن “الليل سيكون من أشد الليالي قسوة”. أما الشريف، فكتب على وسائل التواصل عن “تصاعد العدوان المستمر”، قبل أن تتحول كلماته إلى شهادة أخيرة. في وصيته المؤثرة، دعا إلى عدم إسكات أصوات المظلومين، وأن يكونوا “جسورًا نحو تحرير الأرض وكرامة الشعب”، موجّهًا لزوجته وأطفاله رسالة صبر وثبات.
هذه الجريمة ليست استثناءً؛ فهي جزء من سلسلة دامية أسفرت عن مقتل أكثر من 238 صحفيًا فلسطينيًا، بحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وسط استمرار استهداف مقار الإعلام وخيام الصحفيين، كان آخرها أمام مستشفى الشفاء.

ورغم الإدانات الأممية، لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف الانتهاكات. الأمم المتحدة حذرت من كارثة إنسانية متفاقمة مع تجاوز حصيلة القتلى المدنيين 61,430، بينهم آلاف الأطفال، وسط حصار خانق لا تتجاوز معه نسبة وصول المساعدات الإنسانية 14%.
في المقابل، أعلن بنيامين نتنياهو أن “السلام لن يتحقق إلا باحتلال كامل لغزة”، في مؤشر على تجاهله للكارثة الإنسانية واستمراره في التصعيد وارتكاب المزيد من جرائم القتل بحق الأبرياء، بينما يواصل الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، ويظهر التردد الأوروبي توفير غطاء دولي لممارسات الاحتلال، وسط صمت إعلامي وحكومي عربي وعالمي مريب.
اغتيال أنس الشريف ورفاقه ليس فقط إعدامًا لأشخاص، بل اغتيال لذاكرة الإنسانية وضمير العالم، وإنذار لكل وسائل الإعلام الدولية، ومنها الكندية، بضرورة الوقوف بحزم أمام سياسة إسكات الكلمة واغتيال الصورة.





