إقتصاد

الحربُ في الشّرق الأوسط تُشعل النّفط والأسهم والسّندات تتأرجح بين الصدمة والتضخّم

قفزت أسعار النفط بشكل عنيف مع تصاعد المخاوف من أن تؤدي الحرب مع إيران إلى تعطيل تدفقات الخام عبر الممرات الحيوية، في وقت نجحت فيه الأسهم الأمريكية في امتصاص الصدمة الأولية والتحول من خسائر حادة إلى مكاسب هامشية بنهاية الجلسة، في مشهد يعكس تداخلاً معقدًا بين الاقتصاد والسياسة في لحظة توتر جيوسياسي مفتوح.

وأنهت مؤشرات بورصة نيويورك تعاملات اليوم الاثنين على تباين محدود بعد تقلبات حادة. فقد أضاف مؤشر الأسهم الكبرى الأمريكي 2.74 نقطة فقط، أي أقل من 0.1%، ليغلق عند 6,881.62 نقطة، بعدما كان قد تراجع في بداية التداولات بنسبة بلغت 1.2%. وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي 73.14 نقطة، أو 0.1%، إلى 48,904.78 نقطة، بينما صعد مؤشر ناسداك المجمع 80.65 نقطة، أو 0.4%، إلى 22,748.86 نقطة، مستعيدًا خسائر الصباح الثقيلة.

التحول السريع في المزاج الاستثماري جاء رغم قفزة أسعار الخام بأكثر من 6% خلال الجلسة، وهو ارتفاع يُنذر بزيادة قريبة في أسعار الوقود عالميًا، ما يضغط على الأسر الأمريكية التي يشكل إنفاقها الجزء الأكبر من الناتج المحلي، ويزيد أعباء الشركات ذات الكلفة الطاقوية المرتفعة.

ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط 6.3% ليستقر عند 71.23 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام برنت 6.7% إلى 77.74 دولارًا للبرميل. ورغم القفزة، لا تزال الأسعار دون مستوى 100 دولار للبرميل، وهو الحد الذي يرى محللون أنه قد يغيّر قواعد اللعبة في حال تجاوزه لفترة مستدامة.

المتداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك بمدينة نيويورك في 2 مارس، وسط تقلبات الأسواق بعد تصاعد التوترات الجيوسياسية – الصورة لـ رويترز

صدمة الطاقة تعيد شبح التضخم والذهب يرتفع كمؤشر للقلق

في الوقت نفسه، بقيت أسعار الغاز الطبيعي مرتفعة، ما قد يرفع فواتير التدفئة في ما تبقى من الشتاء، بعد إعلان أحد كبار مورّدي الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وقف الإنتاج بسبب الحرب. كما صعد الذهب بنسبة 1.2% مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، في مؤشر واضح على أن القلق لا يزال حاضرًا بقوة.

من الناحية السياسية، حاولت واشنطن تهدئة الأسواق. وقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إن “هذه ليست العراق… وهذه ليست حربًا بلا نهاية”، في مسعى لطمأنة الأسواق بأن الصراع لن يتحول إلى نزاع طويل يستنزف الاقتصاد.

لكن الأسواق تتفاعل ليس مع التصريحات فقط، بل مع البيانات الاقتصادية. فعادةً ما تنخفض عوائد سندات الخزانة الأمريكية في أوقات القلق، إلا أنها ارتفعت هذه المرة، إذ صعد العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى 4.04% من 3.97%، في إشارة إلى أن المستثمرين يخشون موجة تضخم جديدة قد تعقّد مهمة الاحتياطي الفيدرالي وتؤخر خفض أسعار الفائدة.

خفض أسعار الفائدة قد يدعم النمو وسوق العمل، لكنه يفاقم التضخم. أما الإبقاء عليها مرتفعة فيحاصر الأسعار لكنه يضغط على النشاط الاقتصادي. ومع ارتفاع أسعار النفط، تعود هذه المعادلة الحساسة إلى الواجهة بقوة.

أسهم الطيران والسياحة تتراجع بينما الطاقة والدفاع ترتفع بقوة

القطاعات المرتبطة بالسفر كانت الأكثر تضررًا. تراجعت أسهم شركات الطيران الأمريكية الكبرى بنسبة تراوحت بين 2.2% و4.2%، مع ارتفاع تكاليف الوقود وإغلاق مطارات في الشرق الأوسط وتعطل رحلات.

كما هبط سهم شركة الرحلات البحرية بنسبة 10.6%، بعدما سجلت الشركة إيرادات فصلية أضعف من التوقعات، مع توقعات أرباح سنوية أقل من تقديرات المحللين، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى إنفاق استهلاكي قوي لمعادلة ارتفاع كلفة الطاقة.

في المقابل، وجدت أسهم الطاقة والدفاع دعمًا واضحًا. صعدت أسهم شركات النفط الكبرى بنسبة تتراوح بين 1.1% و5.9%، مستفيدة مباشرة من ارتفاع أسعار الخام.

أما شركات الصناعات العسكرية، فارتفعت مع توقعات بزيادة الإنفاق الدفاعي. صعدت أسهم الشركات الكبرى المتخصصة في الصناعات الدفاعية بنسبة تراوحت بين 4.7% و5.9%. كذلك قفز سهم شركات التكنولوجيا الدفاعية بنسبة 5.8% بدعم من علاقاتها بالمؤسسات الدفاعية، فيما ارتفعت أسهم الشركات التقنية الكبرى بنسبة 2.9%، وكانت أبرز داعم منفرد لمؤشر الأسهم الكبرى الأمريكي.

قفزت أسعار النفط والغاز بشكل حاد وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، مع إعلان قطر وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال واستهداف منشآت أرامكو، بينما يظهر حريق ناقلة نفط في خليج عمان هشاشة الممرات البحرية الحيوية وتأثيرها المباشر على الإمدادات العالمية – الصورة لـ رويترز عبر ذا هيندو بيزنس لاين

الأسواق العالمية ترتجف ومضيق هرمز في قلب الحسابات الاستراتيجية

امتد القلق إلى الأسواق العالمية، حيث تراجع مؤشر الأسهم الألمانية 2.6%، وهبط المؤشر الفرنسي 2.2%، فيما انخفض المؤشر في هونغ كونغ 2.1%. وعلى خلاف الاتجاه العام، صعد المؤشر الصيني بنسبة 0.5%.

تشير التحليلات التاريخية إلى أن النزاعات العسكرية في الشرق الأوسط نادراً ما تتسبب في انهيارات طويلة الأمد للأسواق. ووفق تقديرات محللي الأسواق المالية، فقد حقق مؤشر الأسهم الكبرى الأمريكي متوسط مكاسب تاريخية بلغت 2% بعد شهر، و6% بعد ستة أشهر، و8% بعد عام من أحداث المخاطر الجيوسياسية.

لكن الفارق اليوم أن التضخم لم يُهزم بعد، وأي تعطيل مطوّل لإمدادات الطاقة، خصوصًا عبر مضيق هرمز، قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، ما يعيد رسم خريطة المخاطر العالمية.

الأسواق لم تنهَر لكنها تترقب بقلق شديد، النفط يقفز بدافع الحرب، والسندات ترتجف تحت وطأة التضخم، والأسهم تتأرجح بين الاثنين. وبين السياسة والاقتصاد، يبقى السؤال الحاسم: هل هذه مجرد صدمة عابرة تُمتص سريعًا، أم أنها بداية مرحلة يُعاد فيها تسعير العالم بالكامل تحت ضغط الجغرافيا السياسية؟

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل