عُمر العقَّاد… ضميرٌ يكتبُ تحت أنقاض الإبادة
من أكْثَر مشاهد كتابه فَظَاعة: رَضيعٌ فلسطيني اختَرَقت رَصاصةٌ إسرائيليّة جُمجمتَه، بينما يُوَجِّه العقّاد إصبع الاتِّهام نَحو التَّواطُؤ الغَربِي، سياسيًّا وإعلاميًّا، مع الجريمة
في زمن تُدفن فيه الحقيقة تحت ركام التصريحات السياسية، وتُختزل فيه الكوارث في أرقامٍ متحرّكة على الشاشات، يخرج صوتٌ من أعماق الضمير ليكشف ما لا تقوى الكاميرات على نقله، وما لا تجرؤ المؤسسات على تسميته باسمه. عمر العقاد، الكاتب الكندي الأمريكي ذو الأصول المصرية، لا يكتب رواية هذه المرة، بل شهادة حيّة، صادمة، ومربكة، عنوانها: “يومًا ما، سيكون الجميع دائمًا ضد هذا“. شهادةٌ تحفر عميقًا في جراح فلسطين، وتفضح تحالف الصمت الغربي مع آلة القتل الإسرائيلية.
في كتابه، لا يكتفي العقاد بسرد مجازر الاحتلال، بل يعرّيها: رضيع فلسطيني قُنصت جمجمته، أطفال مشوهون، جوعى، مدفونون بلا أطراف. لا يقدّم ذلك كصور عابرة من مسرح مأساوي، بل كواقع يوميّ يعيشه شعبٌ كامل، بينما يختبئ العالم خلف خطاب “الحياد”. يتساءل العقاد، ليس ككاتب فقط، بل كإنسان: كيف يمكن لمن يرى هذا أن يواصل حياته وكأن شيئًا لم يكن؟ كيف يصبح الصمت موقفًا، بل سياسة؟

الكتاب، الصادر عن دار النشر الكندية “ماكليلاند وستيوارت”، لا يُشبه المقالات السياسية ولا كتب التأمل، بل ينهض كسلاح أخلاقي، يمزج بين السيرة الذاتية، والتوثيق الصحفي، والتأمل الأخلاقي، ليصل إلى خلاصة مرة: تجاهل اللاإنسانية هو تآكل للروح. وقد وصفته صحيفة “ذا غلوب آند ميل” بأنه “كتاب قوي ومقلق بعمق”، لا يكتفي بإلقاء الضوء على الجرائم، بل يدين صراحة تواطؤ القوى الغربية سياسيًا وإعلاميًا.
يوثق العقاد في كتابه أن أكثر من 48 ألف فلسطيني قتلوا منذ السابع من أكتوبر 2023، بينهم 18 ألف طفل على الأقل، وأن 169 صحفيًا لقوا حتفهم، وفق بيانات لجنة حماية الصحفيين. يشير إلى أن ما يجري في غزة ليس مجرد قصف أو عدوان، بل “حملة إبادة جماعية” تنفذها إسرائيل، بدعم مباشر وغير مباشر من معظم مراكز القرار والنفوذ في الغرب، ويؤكد أن الصمت أمام هذه الأفعال تجاوز التواطؤ ليصبح مشاركة في الجريمة.

وفي حوار صريح مع صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، قال العقاد: “كنت أؤمن بقيم الغرب. كنت أظن أنهم ملتزمون بخطوط أخلاقية لا يتجاوزونها. لكن ما حدث في غزة دمّر ذلك الإيمان.” ويرى أن الإعلام الغربي، بانتقائيته وتواطئه، لم يكتفِ بإخفاء الحقيقة، بل قام بتفكيك الضمير العام، قائلاً: “حين لا تفعل شيئًا، يُطلب منك قتل الجزء الذي كان سيصرخ في وجه الظلم.”
موقف العقاد لم يتوقف عند حدود الكتابة؛ ففي خطوة لافتة، رفض المشاركة في جائزة “غيلر” الأدبية المرموقة، احتجاجًا على تمويلها من قبل بنك “سكوتيا” الذي يملك استثمارات في شركة أسلحة إسرائيلية. شارك في حملة قادها كتّاب كنديون لمقاطعة الجائزة، وكتب: “أي مؤسسة تضع الأرباح فوق المبادئ الأخلاقية لم تعد فنية، بل أصبحت شركة لغسل السمعة.” وتحت ضغط الحملة، أعلنت إدارة الجائزة في مطلع 2025 إنهاء شراكتها مع البنك.

عمر العقاد وُلد في مصر عام 1982، وانتقل في طفولته إلى قطر بعد أن تعرض والده لمضايقات أمنية كادت تؤدي إلى سجنه. لاحقًا انتقل إلى كندا، حيث درس علوم الحاسوب في جامعة كوين، قبل أن ينخرط في الصحافة عبر صحيفة “ذا غلوب آند ميل”، ويغطي من خلالها حروب أفغانستان، ومعتقل غوانتانامو، وكوارث طبيعية مثل إعصار كاترينا. وهو اليوم يعيش في بورتلاند، بولاية أوريغون الأمريكية، مواصلًا الكتابة بشغف الضمير الذي لا يقبل السكوت.
اليوم، لا يُخاطب العقاد القارئ بقلمه فحسب، بل بصوته ووجوده. يسأله دون مواربة: بعد أن رأيت هذا كله، هل لا زلت قادراً على الصمت؟ إن كتابه ليس مجرد صرخة في وجه الاحتلال، بل صرخة في وجه عالم يختبئ خلف خطاب مزدوج، يتغنى بحقوق الإنسان في المؤتمرات، ويتواطأ مع الإبادة في الواقع. جريمة تُرتكب على مرأى من الجميع، والصمت عنها لم يعد خيارًا… ولا إنسانيًا.




