الثّقافةُ في زمنِ السّياسة: من الاعترافِ بفلسطين إلى صدى الإبداعِ والحرّية في كندا
من مهرجان تورونتو السينمائيّ الدوليّ إلى محاكمةِ إنغلر وتقرير جامعةِ يورك، تتعاظمُ المواجهةُ بين المبدعينَ والسلطاتِ في كندا؛ والاعترافُ المرتقبُ بفلسطين يُعيد رسمَ حدودِ الحريةِ الثقافية ويضعُ هُويّة البلادِ أمام اختبارٍ صعب
في قلب صيف 2025، تحول المشهد الثقافي في كندا إلى ساحة مواجهة بين السياسة والفن، تكشف مدى قوة الحرية الإبداعية وحدودها. لم يعد الفن مجرد جماليات، بل أصبح منصة للتعبير عن المواقف والمواجهة، بعد إعلان رئيس الوزراء مارك كارني في 30 يوليو اعتزام كندا الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، خطوة وصفها المراقبون بالتاريخية وأطلقت نقاشات حادة حول قدرة كندا على حماية حرية التعبير الثقافي والفني حتى في القضايا الحساسة.
من صالات السينما إلى مهرجانات الموسيقى، ومن ساحات الجامعات إلى المنصات الإعلامية، يشتبك المبدعون مع قضية فلسطين كرمز للعدالة والحرية، بينما تواجه السلطات سؤالًا حادًا: هل ستصغي لهذه الأصوات، أم ستضع لها حدودًا؟
منصات الفن تحت المجهر السياسي
في أغسطس الماضي، عاش مهرجان تورونتو السينمائي الدولي مثالًا صارخًا لهذا الاشتباك. فقد أثار قرار سحب فيلم يتناول أحداث 7 أكتوبر ردود فعل قوية، قبل أن تعود إدارة المهرجان لتدرجه مجددًا تحت ضغط الرأي العام. هذا التذبذب لم يكن فنيًا بقدر ما كان انعكاسًا لحساسية سياسية تتجاوز حدود الشاشة إلى دهاليز السياسة الخارجية الكندية.
المخرجة ديبا مهتا، الحائزة على وسام كندا، صرحت لهيئة الإذاعة الكندية قائلة: “المهرجانات باتت تحت التدقيق، والاحتجاجات أصبحت متوقعة”، مؤكدة أن “التسييس أصبح جزءًا لا ينفصل عن أي حدث ثقافي كبير في كندا”.
ولم يقتصر الأمر على السينما، بل شمل الأدب أيضًا. في يوليو، أطلق الكاتبان دانية ماجد ومارتن لوكاس كتابهما “عندما لم تكن الإبادة خبراً” بحضور الصحفي ديزموند كول، منتقدين ما وصفوه بـ”تواطؤ الإعلام الكندي” في تغطية مأساة غزة بدل كشفها. هذا التوتر لم يقتصر على الفنانين والحكومة، بل امتد إلى غرف الأخبار، حيث يواجه الصحفيون ضغوطًا داخلية لإسكات الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.

السلطات والشرطة: حدود الإصغاء والرقابة
كان الصدام أكثر وضوحًا في قضية الكاتب والناشط إيف إنغلر من مونتريال، الذي يواجه منذ فبراير قيودًا قانونية بعد منشوراته عن غزة. منظمة “نقابة الكتاب في كندا” حذرت من خطر تقويض حرية التعبير، معتبرة القضية اختبارًا حيًا لحدود التعبير السياسي في كندا. في أغسطس، أسقط الادعاء تهمتين عنه، لكنه أبقى أربع تهم أخرى تتعلق بمزاعم “مضايقة” محقق شرطة مونتريال، مع تحديد موعد محاكمته في 28 نوفمبر.
وفي السادس من أغسطس، أصدرت جامعة يورك تقريرًا وثّق نحو 100 حالة استهداف لأشخاص ومبادرات بسبب تضامنهم مع فلسطين، شملت تخريب مقرات، تشهيرًا، مضايقات عبر الإنترنت، وفصل أو تأديب طلاب وأساتذة شاركوا في فعاليات ثقافية أو أكاديمية. التقرير، المستند إلى مقابلات وبيانات إعلامية ومنظمات حقوقية، أكد وجود “استثناء فلسطيني” في كندا، حيث يصبح التعبير الثقافي أو الأكاديمي عن فلسطين محفوفًا بالمخاطر.

الحرية الإبداعية كوجه جديد لهوية كندا
في هذا المشهد المتوتر، يظل السؤال المحوري حول مدى استماع السلطات الرسمية في كندا للأصوات الثقافية والفنية. فبينما تضخ الحكومة الفيدرالية دعمًا للمهرجانات متعددة الثقافات مثل مساهمة وزارة التراث الكندي في ‘مهرجان الثقافة’ في سانت جون وتشدد على حماية التنوع الإبداعي في مواجهة هيمنة المنصات الرقمية، تؤكد المؤسسات الرسمية في الوقت نفسه حذرها الشديد من الخطابات الفنية والسياسية التي تمس ملفات خارجية حساسة أو قد تؤثر على علاقاتها الاستراتيجية مع شركائها الدوليين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل
قرار الاعتراف بفلسطين، المقرر الإعلان عنه رسميًا في الأمم المتحدة خلال سبتمبر، يفتح بابًا جديدًا: يجعل الثقافة شريكًا لا يمكن تجاوزه في صياغة الهوية الوطنية وصورة كندا عالميًا. هنا يصبح الفن والموسيقى والكتابة أكثر من مجرد تعبير جمالي؛ يتحول إلى فعل سياسي ومقاومة ناعمة، ويعيد طرح سؤال الحرية: حرية الفن في مواجهة قيود السلطة، وحرية كندا في رسم هويتها بين ضغوط التحالفات وإرادة ضميرها العالمي.
اليوم، تقف كندا على مفترق طرق ثقافي وسياسي في آن واحد. تسعى لتقديم نفسها كدولة حامية للتعددية والعدالة، لكنها تواجه ضغوطًا داخلية لكبح جماح الأصوات الأكثر جرأة في التعبير عن فلسطين. من إنغلر إلى مهرجان تورونتو السينمائي، ومن تقرير جامعة يورك إلى مئات الحالات الفردية، يتضح أن الحرية الإبداعية ليست مجرد شعار رنان، بل ساحة معركة حقيقية.
وفي خضم هذا المشهد، يواصل الفنانون والكتاب والصحفيون الكنديون كسر الصمت، لتظل فلسطين، بكل رمزيتها، الاختبار الأبرز لقدرة كندا على الإصغاء حقًا.




