عربُوكش.. مكتبةٌ عربِيّةٌ تُضيء الثّقافة في قلب أوتاوا
بينما تنكمش مساحة الورق أمام تمدد الشاشات، وتبهت ملامح اللغة العربية في مدن الشتات، يولد مشروع ثقافي جريء في قلب العاصمة الكندية، لا يبيع الكتب فقط، بل يستعيد بها الذاكرة والهوية. إنها “عربوكش”.. مكتبة عربية مستقلة، أشبه بجمرة ثقافية صغيرة تشق طريقها وسط رماد الاغتراب. أسّسها محمد عيسى، مهاجر عراقي رفض أن تختزل الثقافة العربية في المهجر إلى لهجة عابرة أو تراث مؤرشف، فأرادها حيّة، تُقرأ وتُناقش وتبقى في الوجدان.
في بلد تندر فيه المكتبات، وخاصة تلك التي تخاطب الجاليات بلغتها الأم، تتقد “عربوكش” كمنارة ثقافية شجاعة، تمنح الكتاب العربي موطئ قدم في مجتمع متعدد الثقافات، لكنه غالبًا ما يهمّش النص العربي. لم تكن المبادرة فكرة عابرة أو حلمًا مؤجلًا، بل ثمرة وعي عميق بحجم الفجوة الثقافية التي تعانيها الجالية العربية في أوتاوا. يقول محمد عيسى: “الدافع الأساسي وراء التأسيس كان حب القراءة والكتابة، لكننا شعرنا أيضًا بفراغ ثقافي كبير داخل الجالية… فقررنا سدّ هذا الفراغ”.
بدأت التجربة قبل أربع سنوات كمنصة إلكترونية متواضعة، ثم تحوّلت إلى مكتبة فعلية تحمل على رفوفها مئات الكتب، وعلى جدرانها أنفاس ثقافة عربية تقاوم الاندثار. ويضيف عيسى: “بدأنا أونلاين، ثم كُلّلت جهودنا بافتتاح هذه المكتبة كما ترون. واجهتنا تحديات مادية ومعنوية كثيرة، لكن بالعزم وحب الكتاب تجاوزناها”.

ولم تكتفِ “عربوكش” ببيع الكتب، بل أصبحت مساحة فكرية مفتوحة تستقطب كتّابًا عربًا وكنديين، وتحتضن فعاليات أدبية، ندوات فكرية، عروض سينما، توقيعات كتب، وأمسيات شعرية. ومن خلال مؤسسة “مسعى للثقافة” التي يشارك عيسى في تأسيسها، انفتحت المكتبة على دور النشر الكندية ونظمت فعاليات مثل معرض أوتاوا للكتاب.
ورغم حداثة التجربة، لاقت المكتبة تفاعلًا واسعًا من الجالية العربية. يقول عيسى: “هناك تعطّش حقيقي لكل ما هو عربي. ورغم اختلاف أطياف العرب، ما يجمعنا أكبر: اللغة والثقافة والذاكرة”. والمثير في هذه التجربة ليس فقط إصرارها على البقاء، بل رهانها الواضح على مستقبل الكتاب العربي في المهجر. ويرى مؤسسها أن المهمة تتجاوز توفير الكتب، إلى بناء ذاكرة ثقافية جديدة للجالية، مؤكّدًا: “الكتاب العربي في كندا بخير. ومن مهمتنا توفيره للقارئ. أعتقد أن المستقبل سيكون مزدهرًا، خاصة وأن كندا بدأت تعترف أكثر بالتراث العربي”.
ورغم الصعوبات، يؤمن محمد عيسى أن المشاريع الثقافية تحتاج إلى أكثر من تمويل: تحتاج إلى إيمان وإصرار وقرّاء لم تنكسر علاقتهم بالكتاب. ويختم حديثه قائلًا: “نحتاج فقط إلى الاستمرارية… الطريق طويل، لكنه يستحق أن يُمشى. ما دامت هناك يد تفتح كتابًا عربيًا في كندا، فالمكتبة لن تُغلق”.
“عربوكش” ليست مجرد مكتبة، بل فعل مقاومة ناعم وصوت ثقافي هادئ لكنه ثابت. من حي صغير في أوتاوا، تعيد تعريف الكتاب العربي في المهجر، وتقول بلا تردد: ما زلنا نقرأ، وما زلنا نؤمن أن الكلمة العربية تستحق الحياة.





