الشــرق الأوســط

خليجُ عدن على حافة الانفصال: صراعُ النّفوذ السّعودي – الإماراتي يُهدّد استقرارَ اليمن وخريطة جنوبه

لم يعد خليج عدن مجرد امتداد جغرافي للصراع اليمني، بل تحوّل إلى نقطة اشتباك سياسي وأمني تكشف تصدّعًا متزايدًا داخل التحالف السعودي–الإماراتي، بعد أن تجاوز الخلاف حدود تباين الأدوار إلى صراع مباشر على النفوذ والممرات والسيادة. فالضربة السعودية التي استهدفت محاولة إدخال إمدادات عسكرية لصالح قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا لم تُقرأ بوصفها إجراءً أمنيًا معزولًا، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الرياض لن تسمح بفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصًا في لحظة شديدة الحساسية أعلن فيها المجلس الانتقالي الدخول في مرحلة انتقالية تمتد لعامين، باعتبارها مسارًا ممهِّدًا لإعادة تشكيل مستقبل الجنوب اليمني سياسيًا.

هذا التطور أعاد فتح ملف اليمن من زاوية أكثر تعقيدًا؛ إذ لم يعد السؤال محصورًا في كيفية إنهاء الحرب مع الحوثيين، بل بات يتعلّق بمن يملك القرار في الموانئ والسواحل، ومن يرسم خريطة ما بعد الحرب، في منطقة تتحكم بأحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، حيث يتحول أي تغيير محلي إلى ارتدادات إقليمية ودولية واسعة.

الموانئ أولًا: حين يتحول الدعم إلى مشروع نفوذ

في قراءة لطبيعة هذا التحول، يقول الأستاذ توفيق الحميدي، المحامي اليمني، إن التمدد الإماراتي في خليج عدن والبحر الأحمر يعكس انتقال أبو ظبي من موقع الشريك داخل التحالف إلى فاعل إقليمي مستقل يسعى لإعادة تشكيل موازين النفوذ عبر أدوات محلية لوجستية وعسكرية. ويوضح أن هذا التوجه اعتمد على بناء تحالفات خارج إطار الدولة اليمنية، ما منح الإمارات نفوذًا بحريًا مكّنها من التحكم بالموانئ والممرات الحيوية.

ويرى الحميدي أن ما يجري هو عمليًا “حرب سيطرة” على الموانئ، تمتد من المهرة شرقًا إلى المخا غربًا، في مسار يتجاوز متطلبات الأمن الجماعي، ويصطدم مباشرة بمصالح دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. فالأخيرة، بحسب الحميدي، تنظر إلى نشوء قوة موازية على خاصرتها الجنوبية بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا مع تمدد قوات المجلس الانتقالي المدعومة إماراتيًا داخل محافظتي حضرموت والمهرة، وهو ما يفسر حساسية أي تحرك عسكري أو لوجستي في تلك المناطق.

عربات عسكرية مدمّرة في ميناء المكلا بعد غارة نفذها التحالف الذي تقوده السعودية على شحنة قيل إنها أُرسلت من الإمارات لدعم قوات المجلس الانتقالي، في مشهد يختزل تحوّل الخلاف داخل التحالف من تباين أدوار إلى مواجهة عسكرية غير معلنة، ويكشف مدى خطورة الصراع حين يتجاوز السياسة ليصيب بنية التحالف نفسه – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر بلومبيرغ

رسائل الردع: السعودية بين الضغط الدبلوماسي والحسم الميداني

انطلاقًا من هذا الإدراك، يتوقع الحميدي أن تتجه ردود الفعل السعودية إلى التصاعد إذا استمر هذا المسار، على مستويين متوازيين.
الأول سياسي – قانوني، عبر إعادة التأكيد على المرجعيات الدولية المنظمة لأمن الممرات البحرية، ومبدأ حصرية السلاح بيد الدول، بما يمنح أي تحرك سعودي غطاءً قانونيًا دوليًا.
والثاني أمني – ميداني، من خلال تحركات ردعية تهدف إلى إعادة ضبط التوازن ومنع تكريس سياسة الأمر الواقع، كما حدث في استهداف عربات ومدرعات كانت متجهة لدعم قوات المجلس الانتقالي في ميناء المكلا.

غير أن خطورة اللحظة لا تكمن فقط في طبيعة الرد السعودي، بل في توقيته المتزامن مع إعلان المجلس الانتقالي عن مرحلة انتقالية سياسية، ما يرفع منسوب التوتر ويحوّل أي احتكاك ميداني محدود إلى صدام ذي أبعاد سيادية. وبين الانسحاب تحت الضغط، أو البقاء والدخول في مواجهات مسلحة، أو إطالة أمد المناورات السياسية والعسكرية، تبدو السيناريوهات مفتوحة على احتمالات تصعيد لا تحتملها منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة.

إعلان المرحلة الانتقالية: تتويج مسار أم تفجير للصراع؟

إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن مرحلة انتقالية من عامين لم يُقرأ داخليًا ولا إقليميًا كخطوة إجرائية عابرة، بل كذروة مسار طويل من بناء القوة العسكرية، والسيطرة على مفاصل أمنية وموانئ استراتيجية، بدعم إماراتي مباشر. ووفق مراقبين، نقل هذا الإعلان المشروع الجنوبي من مستوى النفوذ غير المعلن إلى طرح سياسي انفصالي واضح المعالم، ما وضع السعودية أمام معادلة أكثر تعقيدًا تتجاوز إدارة الخلاف داخل التحالف إلى حماية توازنات أمنها الاستراتيجي.

في هذا السياق، يرى الأستاذ إدريس الأحميد، الباحث في العلاقات الدولية، أن التمدد الإماراتي يُفهم ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ النفوذ في الممرات البحرية المرتبطة بالتجارة العالمية وأمن الطاقة، عبر دعم حلفاء محليين وإنشاء نقاط نفوذ غير مباشرة. ويشير إلى أن هذا الدور، رغم تبريره باعتبارات الأمن ومواجهة التهديدات، أثار تحفظات إقليمية متزايدة، لا سيما لدى الرياض، حيث يُنظر إليه كتجاوز لأهداف التحالف العربي، وانتقال من دعم الشرعية اليمنية إلى إدارة نفوذ مستقل قد يخل بتوازن المصالح الإقليمية.

ويضيف الأحميد أن السعودية، بحكم ثقلها الإقليمي، تميل غالبًا إلى المعالجة السياسية والدبلوماسية، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بقيام ترتيبات تمس أمنها القومي أو تعيد تشكيل معادلات النفوذ في محيطها الحيوي، ما يجعل أي احتواء محتمل مشروطًا بوقف فرض الوقائع على الأرض.

انتشار قوات المجلس الانتقالي الجنوبي عند نقطة تفتيش في عدن، تحت علم جنوب اليمن، يتزامن مع إعلان المجلس اليوم المضي نحو الانفصال، في مشهد يكشف هشاشة التهدئة بين الرياض وأبوظبي رغم خفض التصعيد المعلن. فانسحاب القوات الإماراتية لا ينهي التنافس بقدر ما يعيد تموضعه سياسيًا، تاركًا اليمن معلّقًا بين استقرار مؤقت ومشروع انفصالي يعيد فتح أخطر ملفات الصراع في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية عالميًا – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس عبر فرانس 24

اليمنيون في قلب العاصفة: سيادة مهددة ومستقبل معلّق

داخليًا، تتباين نظرة الشارع اليمني للتدخل الإماراتي والمشروع السياسي–الأمني الذي يتبلور في الجنوب. فبينما ترى بعض الفئات، خصوصًا في مناطق نفوذ المجلس الانتقالي، أن الإمارات أسهمت في تحقيق قدر من الاستقرار الأمني ومواجهة الجماعات المتطرفة، تعتبر شريحة أوسع أن هذا التدخل تجاوز إطار الدعم إلى التأثير المباشر في القرار السياسي اليمني، وتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي.

ويرى د. صلاح البندر، الباحث في العلاقات الدولية، أن التمدد الإماراتي لا يمكن فهمه كدعم لوجستي عابر، بل كجزء من رؤية تعتبر أن النفوذ الإقليمي يمر عبر السيطرة على الموانئ والجزر وخطوط الإمداد، مع الاعتماد على قوى محلية. ويحذر من أن هذا النموذج، وإن كان أقل كلفة عسكرية مباشرة، إلا أنه أعلى كلفة سياسية وإقليمية، لأنه يضعف الحكومة اليمنية، ويعمّق الشكوك بين شركاء التحالف، ويهدد بتحويل جنوب اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة.

ما يجري في اليمن لم يعد يُقاس بميزان الخلافات داخل تحالف عسكري، بل بات اختبارًا صريحًا لحدود النفوذ الإقليمي ومعنى السيادة في دولة أنهكتها الحرب. فحين تتحول الموانئ والسواحل إلى أدوات تفاوض، وتُطرح مشاريع سياسية خارج إطار الدولة وبقوة الأمر الواقع، تنزلق الأزمة من مسار استعادة الاستقرار إلى إعادة رسم الخرائط. ومع تصاعد التباعد بين الرياض وأبو ظبي، وتقدّم الفاعلين المحليين كواجهات لمشاريع أكبر، يجد اليمن نفسه محاصرًا بين حسابات الأمن الإقليمي وطموحات الانفصال، من دون مظلة جامعة تحمي وحدته أو تحدد أفق ما بعد الحرب.

في هذا الفراغ، لا يُطرح مستقبل الجنوب كسؤال نظري، بل كواقع يتشكل على الأرض: كيان سياسي قيد التأسيس، ممرات بحرية تحت شدّ وجذب، ودولة مهددة بأن يُكتب مصيرها خارج إرادتها الوطنية، في لحظة قد تكون الأخطر منذ اندلاع الصراع.

كاتب

عـبد القادر جـاز

صحفي متخصص في الشؤون الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل