معرِضُ الكتاب العربِيِّ في أوتاوَا: جسرٌ ثقافيٌّ يربِط الجالية بِالهُوِيَّة
المُنَظِّمُونَ: المَعرضُ يسُدُّ فراغ الكتاب العربيِّ في كندَا وسطَ دَعَوَاتٍ لدعمٍ ثقافيٍّ مُؤسَّسِيّ
شهدت العاصمة الكندية أوتاوا، نهاية الأسبوع الماضي، فعاليات النسخة الثانية من معرض الكتاب العربي، في حدث ثقافي بات يشق طريقه بثبات نحو أن يصبح موعدًا سنويًا ينتظره أبناء الجالية العربية بشغف واهتمام. وقد أقيم المعرض وسط أجواء عائلية وثقافية مميزة، مستقطبًا قراءً من مختلف الأعمار، لا سيّما الأسر والأطفال، في سعي واضح لتعزيز العلاقة بين العائلة العربية والكتاب، ومواصلة الجهود الحثيثة للحفاظ على اللغة العربية والهوية الثقافية في بلاد المهجر.
دعم عربي مطلوب ومجتمعي منتظر
رغم النجاح الملحوظ الذي حققه المعرض هذا العام، إلا أن القائمين عليه شددوا على أن استمرار هذه الفعاليات وتوسّعها مستقبلاً مرهون بدعم أكبر من المؤسسات العربية، سواء داخل كندا أو خارجها. وأكد المنظمون أن مثل هذه المبادرات لا ينبغي أن تبقى حبيسة الجهود الفردية، بل تحتاج إلى التفاف مجتمعي ودعم رسمي من الهيئات الثقافية العربية، باعتبارها تمثل ركيزة أساسية في تعزيز الثقافة العربية بين أبناء الجالية.

وفي حديث خاص لـ “هنا كندا”، قال علي العاشور، أحد منظمي المعرض: “إن معرض الكتاب لهذا العام شهد إقبالًا كبيرًا من أبناء الجالية والقُراء عمومًا. عملنا جاهدين على إنجاح هذه الطبعة لأن الجالية متعطشة للكتاب العربي، خاصة أن هذا النوع من الكتب غير متوفر بكثرة في كندا بسبب عوائق الشحن والتوزيع.”
وأضاف: “ما قمنا به هو إيصال الكتاب العربي إلى القارئ هنا، واليوم بات بإمكانه اقتناء كتابه بسهولة من خلال مثل هذه المعارض.”
وعن التحديات التي تواجه منظمي المعرض، قال العاشور: ” إن التسويق والتواصل يشكلان العائق الأكبر. نحن بحاجة إلى دعم المؤسسات العربية المهتمة بالكتاب. كما أن شساعة كندا وتوزّع الجالية في مختلف الأقاليم يجعل من الصعب إيصال الكتب وتعميم مثل هذه الفعاليات بشكل سلس.”

ندوة ثقافية بامتياز: حوار بين الأجيال والأوطان
في إطار أنشطته الموازية، احتضن المعرض ندوة ثقافية مميزة جمعت كتّابًا من تونس وليبيا والعراق، في لقاء أدبي نادر من نوعه داخل العاصمة الكندية. وقد شكلت هذه الندوة منصة للحوار وتبادل الرؤى، حيث ناقش الحاضرون قضايا مرتبطة بأدب المهجر، والتحديات التي تواجه الكُتّاب العرب في الاغتراب، إضافة إلى دور اللغة والثقافة العربية في حفظ الهوية والانتماء في بلاد الهجرة.
تنوّع في دور النشر والمحتوى
استقطب المعرض أكثر من 10 دور نشر عربية، قدمت من مدن كندية متعددة، أبرزها تورنتو، مونتريال، كيبك وأوتاوا. وقد عكست هذه المشاركة تنامي اهتمام الناشرين بالوصول إلى القارئ العربي في كندا، عبر طرح عناوين متنوعة شملت الأدب، الرواية، كتب الأطفال، الفكر، التاريخ، إضافة إلى كتب تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها – وهي فئة تُعنى بها الكثير من الأسر العربية المقيمة في كندا، والتي تسعى جاهدة للحفاظ على اللغة العربية بين أبنائها.
وقد حظيت كتب الأطفال باهتمام خاص في هذه النسخة، حيث خصّص المنظمون ركنًا خاصًا للقصص المصورة والأنشطة التفاعلية، ما سجّل إقبالًا لافتًا من العائلات.

وفي هذا السياق، قالت سارة محمد شحاتة، مديرة “دار كتب تمارة” ومقرها مونتريال: “لقد ركزنا هذا العام بشكل كبير على تقديم إصدارات عربية وإنجليزية مخصصة لفئة اليافعين، أي الفئة التي تلي مرحلة الطفولة وتمهد لسنّ النضج. هذه الفئة تفتقر للمحتوى المناسب باللغة العربية، وهو ما نحاول معالجته عبر إصداراتنا.”
وحول التحديات التي تواجه الأسر في كندا، أضافت شحاتة: “الأسرة العربية مطالبة اليوم بأمرين أساسيين: أولًا، ترسيخ مفهوم القراءة كعادة يومية وروتينية في حياة الطفل. وثانيًا، توفير محتوى عربي جذاب ومواكب يربط الطفل بلغته الأم ويجعله يفتخر بها.”
الجالية العربية: جمهور وفيّ وحاضر
الحضور الواسع من أبناء الجالية العربية، بمختلف أصولهم، كان مؤشرًا واضحًا على الحاجة إلى مثل هذه الفعاليات. فعلى مدار يومين، امتلأت قاعة المعرض بالعائلات والقراء، الذين وجدوا فيه فرصة نادرة للتواصل مع ثقافتهم الأم، واقتناء كتب عربية بسهولة دون الحاجة إلى الشراء عبر الإنترنت أو انتظار الشحن من الخارج.

وعن انطباعه حول المعرض، قال السيد عيسى علوان، وهو مواطن عراقي مقيم في أوتاوا، في تصريح لـ”هنا كندا”:
“في الحقيقة، هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها معرضًا للكتاب في أوتاوا. كل ما يرتبط بالقراءة والمعرفة يجذبني ويشدّ اهتمامي.” وأضاف “من الكتب التي أحبها وأبحث عنها دائمًا هي مؤلفات الدكتور علي الوردي، وقد وجدت مجموعة منها هنا في المعرض، وهذا أسعدني كثيرًا.”
لكنه أبدى في المقابل أسفه لضعف توفر الكتب باللغة الإنجليزية، وقال “كنت أتمنى أن أجد تنوعًا أكبر في الكتب المترجمة أو المؤلَّفة بالإنجليزية، خاصةً أنها قد تساعد الجيل الجديد من أبناء الجالية على التفاعل مع الثقافة العربية بلغتهم اليومية.”
واختتم علوان حديثه قائلاً: “المعرض شهد تنوعًا لافتًا في مجالات الفكر، والسياسة، وعلم الاجتماع، وأتمنى أن تستمر مثل هذه الطبعات في المستقبل، لأنها تخدم أبناء الجالية العربية في كندا، وبخاصة في أوتاوا.”
اللغة العربية: حضور قوي ومتنامٍ
تجدر الإشارة إلى أن اللغة العربية باتت ثاني أكثر اللغات استخدامًا في مدينة أوتاوا بعد الإنجليزية، بحسب ما يؤكده خُبراء وجامعيون كنديون. وهو مؤشر واضح على نمو الجالية العربية في العاصمة، وازدياد الحاجة إلى فضاءات ثقافية وتربوية تحتضن هذه اللغة وتعزز مكانتها.
نحو تقليد ثقافي سنوي
مع اختتام فعاليات المعرض، أعرب المنظمون عن أملهم في أن يتحول إلى تقليد ثقافي سنوي، مع العمل على توسيع نطاقه في السنوات القادمة ليشمل ورشًا للكتابة الإبداعية، فعاليات مخصصة للأطفال، ومسابقات تُشجع على القراءة باللغة العربية.
لكنهم شددوا أيضًا على ضرورة وجود دعم مؤسسي عربي جاد، يضمن استمرارية هذه المبادرات وتطورها، ويدفع بها نحو آفاق أرحب، لاسيما في ظل تشتت الجالية في أنحاء كندا واتساع رقعتها الجغرافية.
معرض الكتاب العربي في أوتاوا ليس مجرد مناسبة لاقتناء الكتب، بل هو مساحة نابضة للحوار والتلاقي، ومبادرة ثقافية تعكس تعطش الجالية العربية للحفاظ على لغتها وهويتها. إن دعم هذه الفعاليات مسؤولية جماعية تتطلب شراكة فاعلة بين الناشرين، المؤسسات، والأفراد، من أجل جيل جديد لا يقطع صلته بجذوره، ولا ينسى لغته وثقافته في أرض الغربة.




