تصاعدُ سياسات التنوّع في كندا يضعُ قطاع الأدب والنّشر في مواجهة أزمةٍ ثقافيّة
تشهد كندا في المرحلة الراهنة تحديات متزايدة في المشهد الثقافي، مع تصاعد تأثير السياسات المؤسسية على إنتاج الأدب والفنون. ويبرز هذا الجدل في كتاب “مرثية للأدب” للكاتب ريتشارد ستورسبيرغ، الذي يتناول التحولات التي طرأت على قطاع النشر في ظل التركيز المتزايد على سياسات التنوع والمساواة والشمول.
ويرى ستورسبيرغ أن هذه السياسات أصبحت عاملًا مؤثرًا في توجيه الدعم الثقافي، ما انعكس على طبيعة الإنتاج الأدبي والنقاش الدائر حول الهوية الثقافية الوطنية. ويشير إلى أن الهوية الثقافية لأي بلد “تتشكل من تاريخه السياسي والعسكري والاجتماعي كما يتم تفسيره ونقله عبر الفنون، وأن الكتب توفر أعمق وأشمل استكشاف لهذه الهوية، وغالبًا ما تؤسس لبقية وسائل الإعلام الأخرى”.
تراجع التفاعل مع الثقافة المحلية وتأثير السياسات على قطاع النشر
يوضح ستورسبيرغ أن التغير في أنماط الاستهلاك الثقافي أسهم في ابتعاد شريحة واسعة من الكنديين عن الإنتاج المحلي، مع تراجع الإعلام الوطني واعتماد الجمهور على المنصات الرقمية الأجنبية.
ونتيجة لذلك، انخفضت متابعة الأخبار والكوميديا المحلية، وتراجعت قراءة الكتب الكندية ومشاهدة الوثائقيات المحلية، ما يعكس فجوة متنامية بين الجمهور والثقافة الوطنية.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب والصحفي الكندي كين وايتي، في تحليل نُشر عبر منصة ” شــوش”، إلى أن “تراجع الدعم المؤسسي للكتاب المحلي أثر على قدرة الناشرين المستقلين”، معتبرًا أن هذا النقاش يمثل فرصة لإعادة تقييم السياسات الثقافية المعتمدة.
كما يتناول الكتاب تأثير الأطر التنظيمية على المبدعين، حيث تشترط مؤسسات كبرى، مثل هيئة الإذاعة الكندية ومجلس كندا للفنون وشركة الإنتاج السينمائي تيلي لفيلم، توثيق مشاركة الأقليات والسكان الأصليين في المشاريع للحصول على التمويل. هذا النهج حوّل جانبًا من الدعم الثقافي إلى آلية تنظيمية بمعايير محددة، ما أثر على قرارات الكتاب والمخرجين والمحررين، وأسهم في تقليص هامش المخاطرة والجرأة الفنية.

التنوع المؤسسي وحرية التعبير في صلب النقاش الثقافي
شهد الأدب الكندي خلال السنوات الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في طبيعة الإنتاج، مع تراجع الروايات والكتابات التاريخية والسياسية، مقابل صعود المذكرات الشخصية والسرديات الفردية، إلى جانب حضور بارز للنساء والسكان الأصليين في الجوائز الأدبية الكبرى، وفق ما تشير إليه المؤرخة تشارلوت غراي.
هذا التحول أسهم في خلق بيئة ثقافية أكثر حساسية، حيث أفاد بعض المؤلفين بتفضيل تأجيل نشر أعمالهم أو تعديلها لتفادي تبعات اجتماعية أو مهنية محتملة، بحسب ما أشار إليه الكاتب الصحفي ستيفن مارش.
امتد أثر هذه التحولات إلى قطاع الإعلام والمؤسسات الثقافية الكبرى، مع تطبيق قواعد تنظيمية صارمة على الإنتاج والإدارة، ما أدى إلى إلغاء أو تعديل بعض البرامج والمبادرات. ومن الأمثلة التي أُثيرت في هذا السياق، مسيرة الإعلامية ويندي ميسلي في شبكة سي بي سي، عقب الإشارة إلى نص تاريخي يتعلق بكيبك، في واقعة أعادت النقاش حول حدود حرية التعبير في الفضاء الإعلامي الكندي.
الأطر المؤسسية مقابل الهوية الثقافية
على الصعيد الاقتصادي والفكري، ساهمت هيمنة الشركات الكبرى على سوق النشر في تراجع دور الناشرين المستقلين، ما حدّ من إنتاج الكتب التي تتناول التاريخ والمجتمع الكندي. وفي المقابل، أتاح التركيز على قضايا الأقليات والسكان الأصليين بروز كتاب قدموا مقاربات جديدة لموضوعات الهوية والعدالة الاجتماعية، مثل ريتشارد واغاميس وميشيل جود وإيدن روبنسون، إضافة إلى أعمال تانيا تالاكا التي تناولت قضايا العنصرية المنهجية وصدمات المجتمع.
غير أن هذا التطور كشف في الوقت نفسه عن هشاشة البنية التقليدية لقطاع النشر. ويؤكد ستورسبيرغ أن كندا “تمتلك أحد أضعف قطاعات النشر المملوكة محليًا في العالم الصناعي، مع ميل السوق إلى السير الذاتية للمشاهير وكتب تطوير الذات على حساب الإنتاج التاريخي والسياسي المحلي”.

نحو توازن بين التنوع وحرية الإبداع
ويخلص الكتاب إلى أن تحقيق التوازن بين سياسات التنوع وحرية الإبداع يمثل أحد أبرز التحديات أمام الأدب الكندي. فبينما تسعى المؤسسات إلى ترسيخ مبادئ التنوع والمساواة والشمول، يظل الجدل قائمًا حول تأثير هذه السياسات على حرية التعبير والسرد الوطني.
ويرى ستورسبيرغ أن التركيز على الأطر المؤسسية على حساب المحتوى المحلي، أسهم في توسيع الفجوة بين الجمهور والمؤلفين، وأعاد طرح تساؤلات حول مستقبل الهوية الثقافية في كندا.
يقدم كتاب “مرثية للأدب” قراءة نقدية للمشهد الثقافي، مع نقاش عملي حول مستقبل الأدب في كندا، والتركيز على سياسات التمويل والإدارة الثقافية. ويدعو الكتاب إلى مراجعة هذه السياسات بما يضمن توظيف مبادئ التنوع والمساواة والشمول كأدوات داعمة للإنتاج الإبداعي، تمنح المبدعين هامشًا أوسع للعمل والتعبير مع الحفاظ على الوعي بالهوية الوطنية والسياق التاريخي المشترك.
وفي ضوء هذه التحولات، يبرز تساؤل أساسي حول قدرة كندا على تحقيق توازن مستدام بين دعم الإبداع وضمان حرية التعبير الثقافي، أو استمرار خضوع الأدب الوطني للأطر المؤسسية والمعايير التنظيمية القائمة.




