كندا تُواجه هيكفيجِن: معركة حاسمة على أَمن السِّيادة الرقميَّة
في خطوة غير مسبوقة تعكس تصاعد المواجهة التقنية بين الغرب والصين، أصدرت الحكومة الكندية قرارًا رسميًا يُلزم شركة هيكفيجن كندا، الفرع المحلي لأكبر مُصنّع لمعدات المراقبة في العالم، بإغلاق عملياتها بالكامل داخل البلاد، استنادًا إلى “معلومات استخباراتية سرية تُثبت وجود مخاطر على الأمن القومي”، وفق ما أعلنته وزيرة الصناعة ميلاني جولي في بيان رسمي.
القرار، الذي وُصف بأنه الأشد ضد شركة تكنولوجيا صينية في كندا منذ أزمة “هواوي”، جاء بعد مراجعة مكثفة من أجهزة الأمن القومي، ونتج عنه سحب تراخيص التشغيل، ومنع الوزارات الفيدرالية من شراء أو استخدام منتجات الشركة. الحكومة لم تكشف علنًا عن طبيعة المخاطر، لكنها أكدت أن القرار “ضروري لحماية السيادة الرقمية الكندية”.
هيكفيجن لم تتأخر في الرد، وتقدمت على الفور بـ طلب مراجعة قضائية أمام المحكمة الفيدرالية، مع تقديم التماس لتجميد تنفيذ القرار لحين البت في الطعن. وقد وافقت المحكمة مؤقتًا على السماح للشركة بمواصلة عملياتها بموجب اتفاق قانوني خاص، ما يفتح باب معركة قضائية مفتوحة أمام الرأي العام والقانون.
وقالت الشركة في بيان نشرته على موقعها: “هذا القرار يتعارض مع المبادئ الأساسية للعدالة الإجرائية… لم نُمنح فرصة كافية للرد أو الوصول إلى الأدلة المزعومة، ونرفض مزاعم وجود أي تهديد ناتج عن تقنيتنا”. وأكدت أنها تعاونت بالكامل مع السلطات، وقدمت كافة الوثائق والضمانات المطلوبة منذ بدء المراجعة في مايو الماضي.
صحيفة ذا غلوب آند ميل الكندية كشفت أن منتجات هيكفيجن كانت مستخدمة في منشآت حكومية كندية حساسة، من بينها مرافق تتبع وزارات الدفاع والهجرة والنقل، ما أثار مخاوف جدية من إمكانية اختراق البيانات أو تسريبها، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من “الأبواب الخلفية المضمّنة” داخل معدات الشركة.
خبراء الأمن القومي في كندا رحبوا بالخطوة. وقال مايكل بنيس، المستشار الأمني في أوتاوا، إن “إبعاد الشركات التي ترتبط بأنظمة سلطوية من البنية التحتية الكندية هو أمر ضروري لحماية المعلومات السيادية… لا يمكن الوثوق بتقنية لا تخضع للشفافية والمحاسبة”. وأضاف أن هذا القرار “يؤسس لسابقة قانونية مهمة سيكون لها تأثيرات تتجاوز حدود كندا”.
أما المحلل القانوني ديريك فيرون، من كلية الحقوق في جامعة تورونتو، فاعتبر أن “الطعن القضائي سيكون اختبارًا كبيرًا لصلاحيات الحكومة في استخدام ذريعة الأمن القومي. إذا لم تقدم الدولة أدلة ملموسة داخل المحكمة، فقد تواجه خطر سحب القرار أو الحد من قوتها في قرارات مماثلة مستقبلاً”.

على الجانب الآخر، ردت وزارة التجارة الصينية بغضب، مطالبة كندا “بتصحيح خطئها فورًا”، واعتبرت أن القرار “يمثل تسييسًا صارخًا للتكنولوجيا ويهدد مناخ الاستثمار”، في حين قدمت السفارة الصينية في أوتاوا احتجاجًا رسميًا.
الخطوة الكندية ليست معزولة. فالولايات المتحدة أدرجت هيكفيجن على قائمتها السوداء منذ عام 2019، كما حظرت لجنة الاتصالات الفيدرالية استخدام معداتها في مشاريع البنية التحتية، ووصفتها بأنها “خطر غير مقبول على الأمن القومي”. كذلك اتخذت دول مثل بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا والهند خطوات مشابهة لمنع معدات الشركة من اختراق شبكاتها الأمنية.
في كندا، مقاطعة كيبيك كانت سبّاقة في حظر كاميرات هيكفيجن من المباني العامة منذ عام 2022، بينما أظهرت مراجعة برلمانية أن بعض الوكالات الفيدرالية لا تزال تستخدم أنظمة الشركة، مما يعكس فجوة في التنفيذ.
على صعيد الاستثمارات، تأسست هيكفيجن كندا عام 2014، ولديها فروع رئيسية في مقاطعات بريتش كولومبيا، أونتاريو، كيبيك ومانيتوبا، حيث خدمت الشركة أكثر من 300 مشروع في قطاعات النقل، البنية التحتية، البلديات، والمراكز التجارية. تقدر قيمة عقودها الحكومية السابقة بعشرات الملايين من الدولارات، ويعمل بها أكثر من 150 موظفًا بشكل مباشر، إضافة إلى مئات المقاولين وشركات التوزيع التابعة لها.
هذا الحجم الاستثماري الكبير يُظهر مدى اعتماد السوق الكندية على منتجات الشركة، مما يزيد من تعقيد القرار السياسي والقانوني القائم اليوم. من جهة، تحمي الحكومة السيادة الرقمية وأمن المواطنين، ومن جهة أخرى تواجه خطر تأثيرات اقتصادية ومهنية على آلاف الوظائف والصفقات.
الصراع القائم بين أوتاوا وهيكفيجن يتجاوز كونه نزاعًا حول شركة واحدة فقط، فهو يعكس صراعًا أوسع وأعمق حول من يمتلك السيطرة على السيادة الرقمية في القرن الحادي والعشرين. في حال أيد القضاء الكندي قرار الحكومة، ستكون الرسالة واضحة وجلية: لا مكان لتكنولوجيا يُحتمل أن تكون غير موثوقة في قلب الديمقراطيات الحرة. أما إذا انتصرت هيكفيجن قانونيًا، فستُجبر كندا، إلى جانب حلفائها في الغرب، على إعادة تقييم أطرها القانونية والتشريعية لمواجهة تحديات التهديدات التقنية المعولمة والمتسارعة.




