كندا في سباقِ الذّكاءِ الاصطناعيّ والأمنِ السيبرانيّ: شراكاتٌ دوليّةٌ لتعزيز الاقتصادِ والأمن
في عصر يتسم بتسارع غير مسبوق في التطورات التكنولوجية، يتبوأ الذكاء الاصطناعي موقعًا مركزيًا في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي، وتطوير منظومات التعليم، وتعزيز منظومات الأمن السيبراني، وصولاً إلى حماية السيادة الوطنية. وتبرز كندا اليوم كلاعب رئيسي في هذا المضمار، مستفيدة من تراثها العلمي والتقني الغني، لتسريع خطواتها عبر تحالفات استراتيجية مع قوى عالمية كبرى، من بينها جمهورية كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية، في سبيل بناء بنية تحتية رقمية متطورة تدعم استقلاليتها التكنولوجية وتمهد الطريق نحو تنمية مستدامة.
تشهد العلاقات بين كندا وكوريا الجنوبية تطورًا نوعيًا، حيث تُوّجت شراكات اقتصادية بدأت باتفاقية التجارة الحرة في 2014، بخطة عمل شاملة لعام 2024 ترسم مسارات تعاون متعددة على مستويات الحكومات والقطاعات الصناعية والأكاديمية. وفي يوليو 2025، انعقد في سيول أول حوار “Track 1.5” حول الذكاء الاصطناعي، بتنظيم مشترك بين مؤسسة آسيا والمحيط الهادئ في كندا ومعهد سياسة العلوم والتكنولوجيا الكوري، بمشاركة رفيعة المستوى من الجانبين. ركز الحوار على مواءمة الأطر التنظيمية لحماية البيانات والملكية الفكرية، وتطوير المهارات الرقمية، وتعزيز البنية التحتية للطاقة لمواكبة الطلب المتصاعد على الحوسبة المتقدمة.
تعد كوريا الجنوبية، كواحدة من أكبر مصنعي الشرائح الإلكترونية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، نموذجًا للنمو المتسارع في هذا القطاع الذي يتجاوز معدلاته السنوية 30%. في المقابل، تقدم كندا ثروة معرفية عميقة في مجال الأبحاث الأساسية، والخوارزميات، وحوكمة التكنولوجيا الرقمية، ما يخلق منصة فريدة لتكامل القدرات الصناعية والبحثية. وأشار مسؤولون في شركات كورية بارزة مثل “إس كاي هاينيكس” إلى أن التعاون مع كندا يمثل فرصة حقيقية لتعزيز الابتكار وزيادة التنافسية في الأسواق العالمية.
على صعيد الطاقة، تلعب كندا دورًا محوريًا كمصدر للغاز الطبيعي المسال وشريك في مشاريع الطاقة النووية، مما يسهم في تغذية مراكز البيانات الضخمة التي تدير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحيوية، خصوصًا مع الطلب الكوري المتزايد.
في الاتجاه ذاته، تعزز كندا علاقتها مع الولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي الأكبر، من خلال برامج مشتركة تهدف إلى تقوية أمن سلاسل التوريد الرقمية، وتطوير بنية تحتية حوسبية ذات سيادة تضمن استقلالية عالية في مواجهة التهديدات السيبرانية المعقدة. وفي أبريل 2025، أطلقت الحكومتان برنامجًا مشتركًا للحد من نقاط الضعف الأمنية وتحسين تبادل المعلومات والخبرات التقنية، في ظل منافسة دولية متصاعدة مع قوى مثل الصين.

يتجلى دور الذكاء الاصطناعي في كندا أيضًا عبر المؤسسات البحثية الرائدة، وعلى رأسها معهد “فكتور” الذي أعلن في أغسطس 2025 عن شراكة استراتيجية مع شركة “إنفيديا” الأمريكية لتعزيز قدرات الحوسبة الفائقة وتطوير نماذج تعلم آلي متقدمة تخدم قطاعات حيوية كالصحة والبيئة. ووصفت غاليا ميلر، الرئيسة التنفيذية لمعهد “فكتور”، هذا الاتفاق بأنه “خطوة محورية توفر للباحثين الكنديين موارد تقنية تضاهي ما هو متاح في وادي السيليكون”، مؤكدة أن الاستثمار في البنية التحتية الحوسبية أصبح ضرورة استراتيجية لا خيارًا.
إلا أن التحديات لا تزال قائمة، إذ تكشف التقارير الرسمية عن فجوة متزايدة في المهارات الرقمية داخل كندا، حيث ارتفع الطلب على خبراء الأمن السيبراني بنسبة 28% خلال العام الماضي، في ظل تصاعد الهجمات الإلكترونية التي استهدفت مؤسسات حيوية عالميًا. ولم تكن شبكة “نورث نت”، المزودة للخدمات الرقمية في أقاليم الشمال، استثناءً، حيث تعرضت لمحاولة اختراق معقدة في يوليو 2025، ما دفع الحكومة إلى إطلاق برنامج استثماري جديد في الأمن الرقمي الوطني بقيمة 900 مليون دولار كندي، تعهدت وزيرة الابتكار والعلوم والصناعة فرانسوا فيليب شامبان فيه بأن “الحماية السيبرانية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السيادة الوطنية”.
في القطاع الخاص، تقدم شركة “شوبفاي” الكندية مثالاً حيًا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل تجربة التسوق الرقمي، إذ أطلق المؤسس والرئيس التنفيذي توباياس لوتكي منصة تحليلية تتيح تخصيص التجربة بشكل فوري وبأسلوب مبتكر، مؤكدًا أن “الجيل الجديد من التجارة الإلكترونية يرتكز على دمج الإبداع البشري مع الخوارزميات الذكية”.
أما في مجال النقل، فقد أحرزت شركة “بومباردييه” تقدمًا ملحوظًا عبر تجربة طائرة إقليمية هجينة تعمل بالكهرباء والهيدروجين، بالشراكة مع جهات أوروبية ويابانية، تستهدف خفض انبعاثات الكربون بنسبة 70% بحلول 2035، ما يضع كندا في قلب الثورة الصناعية الخضراء المستقبلية.
من ناحية الأمن السيبراني، تشارك كندا بفعالية في مناورات دولية تحاكي هجمات رقمية واسعة على البنية التحتية الحيوية، بالتعاون مع الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا. وأوضح قائد قيادة القوات السيبرانية الكندية، الجنرال وين فورتين، أن “الحروب القادمة لن تكون فقط على الأرض، بل في الفضاء الرقمي أيضًا”، محذرًا من اتساع الفجوة بين قدرات الهجوم والدفاع عالمياً، مما يستوجب استثمارات ذكية وسريعة لتعزيز القدرات الدفاعية.
ويشدّد خبراء مثل البروفيسور مايكل غيست من جامعة تورونتو على أن “التحكم في منصات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يعني التحكم في الاقتصاد والسياسة لعقود قادمة”، داعيًا إلى الحفاظ على الاستقلالية التكنولوجية وسط الضغوط الدولية المتزايدة.
وبينما تفتح هذه التطورات آفاقًا واعدة لمستقبل رقمي آمن ومتقدم، تظل التحديات عميقة ومتعددة، من نقص في المهارات الرقمية، وتعقيدات التشريعات المشتركة، إلى تصاعد المنافسة العالمية في سوق الابتكار. ورغم ذلك، تمنح البيئة البحثية المتطورة، والموقع الجغرافي السياسي المتميز، والالتزام الحكومي المتواصل، كندا موقعًا فريدًا لتكون منصة عالمية للابتكار الآمن والنظيف.
إن شراكة كندا مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وتوظيفها الذكي للذكاء الاصطناعي في بناء اقتصاد متطور، وتطوير التعليم، وتعزيز الأمن الوطني، تؤكد أن كندا اليوم ليست مجرد لاعب إقليمي، بل مركز قوة تقنية واستراتيجية دولية. والرهان الأكبر يكمن في استمرار الاستثمار المسؤول والتعاون البنّاء للحفاظ على هذا الموقع، وتمكين البلاد من مواكبة التحولات الرقمية التي ستشكل ملامح العالم في العقود القادمة.




