كنـدا الآن

أزمةُ الهجرة في كندا وارتفاعٌ قياسيّ في معدّلات رفض الطّلبات

ارتفاعُ معدّلاتِ رفضِ طلباتِ الهجرةِ في كندا إلى 40% وسط تَراجعِ وظائفِ إدارةِ الهِجرةِ بـ3300 وَظِيفَة، وخبراءٌ يُحذّرونَ من تأثيرِ الإجراءاتِ الصّارِمةِ على جودةِ القَرارات وثقةِ المُتقدّمين

تواجه كندا أزمة غير مسبوقة في نظام الهجرة، إذ تعاني مكاتب الهجرة من تزايد هائل في عدد الطلبات المتراكمة، مع معدلات رفض مرتفعة أثارت مخاوف بين المتقدمين والخبراء على حد سواء، من تراجع ثقة الجمهور في الإجراءات.

كشفت بيانات دائرة الهجرة الكندية في أغسطس 2025 أن الطلبات قيد المعالجة بلغت أكثر من مليوني طلب، بينها أكثر من 800 ألف طلب في قوائم انتظار تتجاوز المعايير الرسمية، ما يعكس الضغط الشديد على النظام.

تشير تحليلات عدة إلى أن تخفيضات الوظائف في إدارة الهجرة، والتي بلغت ثلاثة آلاف و300 وظيفة منذ بداية 2025، إلى جانب تقليص الأعداد السنوية للمقيمين الدائمين والمؤقتين، أدت إلى تعقيد عملية البت في الطلبات، رغم أن عدد المتقدمين لم ينخفض.

وصف محامي الهجرة في فانكوفر، كايل هيندمان، هذه السياسة لصحيفة “تورنتو ستار” بأنها “أهداف عدوانية للغاية لتقليص الهجرة”، مؤكداً أن “تحقيق هذه الأهداف على المدى القصير يتطلب إجراءات دراماتيكية قد تضر بجودة القرارات”.

ومن بين القصص التي تعكس حجم الأزمة، قصة الكرواتي نيكولا ماريسيتش الذي رفضت طلباته مرتين للحصول على تأشيرات لحضور مؤتمر في فانكوفر، رغم زيارته السابقة إلى تورنتو عام 2009. وقال ماريسيتش في تصريح صحفي: “لقد فقدت ثقتي في عملية التأشيرة الكندية، وأخشى أن أطلب تأشيرة أخرى في المستقبل”.

هذا العام، رفضت طلبات الكرواتي نيكولا ماريسيتش مرتين للحصول على تأشيرات لحضور مؤتمر في فانكوفر، رغم زيارته السابقة إلى تورنتو عام 2009. وقال ماريسيتش: “لقد فقدت ثقتي في عملية التأشيرة الكندية – الصورة لـ تورنتو ستار

تتراوح معدلات الرفض وفق أحدث بيانات وزارة الهجرة بين ارتفاعات كبيرة في مختلف فئات الإقامة. ففي الطبقة الاقتصادية، ارتفعت معدلات الرفض إلى 6.7% مقارنة بـ5% في 2023، بينما شهدت فئة الأسرة التي تضم الأزواج والآباء والأجداد زيادة أكبر وصلت إلى 12.6% مقابل 7.2% في 2023. أما فئة الإقامة الإنسانية والرحمة، فقد وصلت معدلات الرفض إلى 40.4%، بزيادة واضحة من 29.5% في 2023. كما ارتفعت معدلات رفض اللاجئين الذين يتمتعون بوضع الحماية إلى 16.5% مقارنة بـ12.9% في 2023.

ويرى خبراء الهجرة أن السبب وراء ارتفاع معدلات الرفض يعود جزئيًا إلى ضغط تقليص الأعمال المتراكمة، الذي يؤدي أحيانًا إلى اتخاذ قرارات سريعة وعشوائية قد تضر بالطلبات المؤهلة. وأشار محامي الهجرة في تورنتو، ماريو بيليسيمو، إلى أن “خفض عدد الوظائف وتقليص عدد المقيمين الدائمين أدى إلى تحولات في كيفية معالجة الطلبات، مما زاد من معدلات الرفض لأسباب إنسانية ورحيمة”. كما توقع بيليسيمو استمرار ارتفاع معدلات الرفض بسبب النقص في أماكن الإقامة الدائمة المتاحة للطلاب الدوليين والعمال الأجانب الذين تنتهي صلاحية تصاريحهم المؤقتة.

ولا يقتصر التحدي على الإحصائيات فقط، بل يمتد إلى قصص إنسانية مؤثرة، مثل حالة الكندي فرانك شين، الذي رفض طلب كفالته لزوجته العام الماضي بسبب شكوك ضابط الهجرة في إقامته الفعلية في كندا، رغم تقديمه أدلة متعددة من جوازات سفر وعقود إيجار وفواتير خدمات. وقال شين لصحيفة “تورنتو ستار”: “أثر هذا القرار علينا عاطفيًا، وكان يمكن تجنبه بالاجتهاد والكفاءة. نحن بحاجة إلى قرارات عادلة لأن حياة الناس معلقة عليها”.

رغم إعلان حكومة كيبيك تقليص أعداد المهاجرين ضمن سياستها الجديدة، يعبر العديد من سكان المقاطعة عن رغبتهم في استقبال مزيد من المهاجرين لدعم الاقتصاد وتلبية حاجات سوق العمل، مما يبرز التوتر بين السياسات الرسمية وطموحات المجتمع المحلي – الصورة لـ موقع إيميغرايشن

تزامنًا مع ذلك، تثير الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي المستخدمة في مراكز الهجرة جدلًا واسعًا، حيث يعتقد البعض أنها قد تزيد من معدلات الرفض بسبب اعتماد الضباط تحت ضغط الوقت على مؤشرات تنبه إلى مخاطر معينة في الملفات. المحامية شانتال ديسلوجيس، المتخصصة في قضايا الهجرة، قالت إن الإدارة تؤكد أنها لا تستخدم قرارات آلية، لكن الواقع أن الضباط تحت ضغط الوقت قد لا يُراجعون الملفات بدقة، مما يؤدي إلى أخطاء في تقدير الطلبات.

من جهتها، أكدت وزارة الهجرة الكندية في بيان رسمي أن “القرارات النهائية لا تُتخذ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأن جميع الطلبات تخضع للمراجعة الفردية من قبل ضباط مؤهلين”. ومع ذلك، دعا خبراء إلى ضرورة زيادة شفافية القرارات، مشيرين إلى أن إضافة ملاحظات واضحة في رسائل الرفض خطوة إيجابية تساعد المتقدمين على فهم أسباب الرفض.

إلى جانب ذلك، ارتفعت معدلات رفض تصاريح الدراسة إلى 65.4% في 2025، مقارنة بـ40.5% في 2023، بينما وصلت نسبة رفض تأشيرات الزيارة إلى 50%، وارتفعت رفضات تصاريح العمل بعد التخرج إلى 24.6%، وتصاريح العمل لأزواج حاملي تصاريح الدراسة والعمل إلى 52.3%. ويعزو خبراء هذه الزيادات إلى التغييرات في السياسات وقيود الأهلية المتزايدة، إضافة إلى الضغط المتنامي لتسريع عملية اتخاذ القرارات.

وفي هذا الإطار، أكد كايل هيندمان أن “الضغط لتقليل التراكمات في النظام يؤدي إلى إلغاء طلبات مؤهلة أو معقدة، ويترك المتقدمين في دوامة من الاستئنافات والتقاضي التي تزيد العبء على النظام وتقلل ثقة الجمهور”. وأضاف أن النظام بحاجة إلى مراجعة شاملة لتحسين سرعة وجودة البت في الطلبات دون التضحية بالعدالة.

تواجه كندا منذ أشهر تحديات جمة في تحقيق التوازن بين الأهداف الحكومية لخفض أعداد المهاجرين ومراعاة حقوق المتقدمين، وسط ضغط متزايد على نظام الهجرة والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الآلاف من الأشخاص. مع استمرار الأزمة، يدعو خبراء الهجرة حكومة كندا إلى إصلاح نظامها والحفاظ على مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات المهاجرة في العالم.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل