أمريكا الشمالية

كيف تحوّلت تأشيرات الطلّاب في الجامعات الأمريكيّة إلى أداة ضغط سياسيّ في عهد دونالد ترامب؟

في مشهد يعكس تقاطع السياسة مع الأمن والهجرة، تكشف تطورات اعتقال طلاب وباحثين أجانب في الولايات المتحدة عن واحدة من أكثر الحملات إثارة للجدل خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد تحولت الجامعات، التي طالما عُدّت مساحة مفتوحة للنقاش الحر، إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الدولة ونشطاء مؤيدين للقضية الفلسطينية.

وبعد أكثر من عام على إطلاق حملة إنفاذ قوانين الهجرة التي استهدفت مشاركين في احتجاجات جامعية، تتكشف معطيات تشير إلى سياسة متماسكة لم تقتصر على الإجراءات الإدارية، بل امتدت إلى ملامسة جوهر حرية التعبير، كما تعكسه إفادات المعنيين ومسارات التقاضي.

بداية القصة: احتجاجات تتحول إلى ملفات أمنية

في مارس 2025، ومع تصاعد الاحتجاجات داخل الجامعات الأمريكية تنديدًا بالحرب في غزة، أطلقت السلطات الفيدرالية حملة اعتقالات طالت طلابًا وباحثين غير أمريكيين، على خلفية مشاركتهم في أنشطة وصفتها الحكومة بأنها “مؤيدة لحماس” أو “تنطوي على معاداة للسامية”.

اللافت أن معظم هؤلاء لم يواجهوا اتهامات جنائية مباشرة، إذ جرى التعامل معهم عبر أدوات قانون الهجرة، سواء بإلغاء التأشيرات أو الطعن في أوضاعهم القانونية.

ضمن هذا الإطار، تبرز قضية الفلسطينية ليقاء قردية كنقطة مفصلية، إذ كانت آخر من أُفرج عنه بعد احتجاز تجاوز عامًا كاملًا، في تطور يعكس تراجعًا ضمنيًا للسلطات تحت ضغط قرارات قضائية متتالية.

قردية، البالغة 33 عامًا وابنة لمواطن أمريكي، أوقِفت خلال مراجعة روتينية لوضعها القانوني في ولاية نيوجيرسي في 13 مارس 2025، وظلت محتجزة حتى مارس 2026، قبل أن تتخلى الحكومة عن معارضة الإفراج عنها بكفالة.

ووفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، استندت السلطات إلى مشاركتها في احتجاج عام 2024 خارج جامعة كولومبيا، رغم إسقاط التهم المرتبطة بتلك الواقعة لاحقًا. ومع ذلك، لا يزال ملفها مفتوحًا، حيث تواجه اتهامات بتجاوز مدة التأشيرة، بينما تؤكد أنها كانت تسلك مسارًا قانونيًا لتعديل وضعها.

في 2024، حذّر دونالد ترامب من أن اعتقال الناشط الفلسطيني محمود خليل في جامعة كولومبيا سيكون “الأول من بين كثيرين”، مؤكّدًا استمرار حملة الهجرة ضد ما وصفته الإدارة بأنشطة معادية للسامية. من جهته، اتهم خليل سلطات الهجرة بـ”القمع المفتوح للنشاط الطلابي وحرية التعبير السياسي”، في مواجهة مباشرة بين الأمن القومي وحقوق الطلاب داخل الجامعات الأمريكية – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس عبر أنديبندنت

وجوه الحملة: استهداف بلا اتهامات جنائية

تتشابه ملامح هذه القضايا، ما يعزز فرضية اعتماد مقاربة أمنية موسعة تجاه النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي.

في مقدمة هذه الحالات، يبرز محمود خليل، أول من كُشف عن توقيفه ضمن الحملة. خليل، وهو مقيم قانوني في الولايات المتحدة، أمضى 104 أيام رهن الاحتجاز قبل الإفراج عنه بقرار قضائي في يونيو 2025.

وبحسب أسوشيتد برس، استمرت مساعي الحكومة لترحيله رغم غياب أي اتهامات جنائية، مستندة إلى مشاركته في احتجاجات داخل جامعة كولومبيا وصفتها بأنها “معادية للسامية ومؤيدة لحماس”.

في المقابل، قال خليل، في تصريحات نقلتها الوكالة، إن دعمه لحقوق الفلسطينيين “لا يمكن تفسيره كدعم لحماس أو كمعاداة لليهود”، في محاولة لدحض الأساس الذي تستند إليه قضيته.

ولا يختلف المشهد كثيرًا في حالة بدر خان سوري، الباحث في جامعة جورجتاون، الذي اعتُقل عقب انتهائه من تدريس محاضرة حول حقوق الأقليات.

السلطات بررت توقيفه بصلات عائلية غير مباشرة بقطاع غزة، إلى جانب اتهامات بنشر دعاية لحماس، غير أن فريق دفاعه، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية، شدد على ضعف هذه المزاعم، مؤكدًا أنه لا يدعم الحركة بل يناصر الحقوق الفلسطينية.

أُفرج عنه لاحقًا بكفالة، فيما لا تزال قضيته منظورة أمام القضاء، في مسار يعكس تعقيد هذه الملفات، حيث تتداخل الأبعاد القانونية مع الخلفيات السياسية.

في 4 ديسمبر 2025، أعادت المحكمة السماح للباحثة التركية رُميساء أوزتورك، طالبة الدكتوراه في جامعة تافتس، باستئناف أبحاثها بعد أن تم سحب تأشيرتها سابقًا، فيما قرأت أوزتورك بيانها المعد مسبقًا خارج محكمة جون جوزيف موكلي الفيدرالية في بوسطن، في خطوة تمثل انتصارًا جزئيًا لحرية التعبير الأكاديمي داخل الجامعات الأمريكية – الصورة لـ وكالة اسوشيتد برس عبر تايمز يونيون

حرية التعبير على المحك: من المقال إلى التوقيف

يتجلى بعد أكثر حساسية في هذه الحملة في استهداف التعبير الأكاديمي والإعلامي داخل الجامعات.

في حالة رُميساء أوزتورك، أُوقِفت الباحثة أثناء توجهها للإفطار خلال شهر رمضان، بعد سحب تأشيرتها على خلفية مشاركتها في كتابة مقال رأي انتقد موقف جامعة تافتس من احتجاجات طلابية.

واعتبر محاموها، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الكندية، أن ما حدث يمثل “عقابًا مباشرًا على حرية التعبير”، وهو ما عززه لاحقًا حكم قضائي سمح لها بالعودة إلى التدريس واستئناف نشاطها الأكاديمي.

في سياق متصل، تعرضت يونسو تشونغ لمداهمات أمنية شملت سكنها الجامعي ومنزل عائلتها، على خلفية مشاركتها في اعتصام داخل كلية بارنارد. ورغم عدم توقيفها، لا تزال معركتها القانونية مستمرة، في ظل قرار قضائي يمنع احتجازها مؤقتًا.

أما الطالب البنغلاديشي محمد حق، فقد أُوقف على خلفية منشورات داعمة للفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب روايته، بينما استندت السلطات إلى سجل قانوني سابق لتبرير احتجازه.

وقد أُفرج عنه بكفالة بلغت 7500 دولار، بقرار قضائي أتاح له متابعة قضيته خارج مراكز الاحتجاز.

من الاحتجاز إلى الفعل: مسارات ما بعد الإفراج

في خضم هذه الوقائع، تبرز حالة محسن مهداوي كنموذج لتحول المسار من الاحتجاز إلى الفعل العام.

مهداوي، الذي أقام في الولايات المتحدة بشكل قانوني لنحو عقد، أُوقف خلال مقابلة للحصول على الجنسية، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة بشأن خلفياتها.

لاحقًا، أُفرج عنه ليعود إلى نشاطه، حيث شارك في حفل تخرجه من جامعة كولومبيا، وأطلق مبادرة لدعم المهاجرين قانونيًا، في مؤشر على أن هذه التجارب أعادت تشكيل مسارات أصحابها بدلًا من إنهائها.

كما أفادت تقارير إعلامية بأن قاضي هجرة أصدر قرارًا يمنع ترحيله، ما يمثل تطورًا قانونيًا بارزًا في هذا السياق.

احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين داخل الجامعات الأمريكية دفعت إدارة دونالد ترامب لاستخدام الهجرة كأداة ضغط سياسي، فشملت الاعتقالات وسحب التأشيرات، رغم غياب التهم الجنائية في كثير من الحالات. الحملة استهدفت الطلاب والباحثين بشكل مباشر، لتشكيل رادع للنشاط السياسي داخل الحرم الجامعي. وأخيرًا، أُفرج عن آخر المعتقلين، ليقاء قردية، في مارس 2026، في ما اعتبره مراقبون انتصارًا جزئيًا لحرية التعبير الأكاديمي – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر ميدلاند ديالي نيوز

خلاصة المشهد: بين ضرورات الأمن وحدود الحرية

تكشف هذه الملفات عن نمط واضح قوامه توظيف أدوات الهجرة في مواجهة نشاط سياسي، في غياب اتهامات جنائية صريحة.

وفي حين تتمسك إدارة ترامب بأن هذه الإجراءات تندرج ضمن حماية الأمن القومي ومكافحة “التطرف”، يرى منتقدون أن هناك اتجاهاً نحو تضييق الحريات، خصوصًا داخل الجامعات التي يفترض أن تشكل فضاءً للنقاش الحر.

الدور القضائي برز كعامل توازن مهم، إذ أسهم في كبح بعض الإجراءات عبر قرارات الإفراج ووقف الترحيل، ما أعاد قدرًا من التوازن، ولو جزئيًا، بين السلطة التنفيذية والحقوق الفردية.

ومع استمرار المسارات القانونية، يبقى هذا الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، من بينها إعادة صياغة العلاقة بين الأمن والهجرة وحرية التعبير في الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يظل السؤال حاضرًا بإلحاح: هل كانت هذه الإجراءات استجابة لاعتبارات أمنية، أم أنها دشّنت مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدود الحرية داخل واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم؟

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل