أَزمةُ القارّةِ الشماليّة: كندَا والمكسيك في مرمَى ترامب وتهديداتٌ استخباريّة تضرِبُ التّحالفَ الثّلاثي
في خريف هذا العام، دخلت العلاقات بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك مرحلة حرجة، بعد ربط واشنطن مصير الاتفاق التجاري الثلاثي “يوسمكا” بمستوى التعاون الأمني في ملف تهريب الفنتانيل. وفقًا لتقارير إعلامية أميركية محلية، لوّحت إدارة الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية واسعة على واردات المكسيك وكندا، بحجة أن جهود التعاون الأمني “غير كافية”.
وأشار تقرير استخباراتي، كشفته مصادر أميركية رفيعة وأطلعت عليه أسوشييتد برس، إلى أن بعض شبكات التوزيع وعمليات التمويل وجدت ثغرات في كندا، ما أثار قلق البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأميركية.
وقال جون هيرلي، نائب وزير الخزانة الأميركي لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، في تصريحات رسمية من مكسيكو سيتي:”لن نقبل أن تبقى كارتلات المخدرات قادرة على غسل الأموال عبر النظام المالي في المنطقة. المكسيك وكندا مطالبتان بتقديم أدلة ملموسة على التزامهما، وإلا فإن أدوات الضغط، سواء من عقوبات أو رسوم، جاهزة للتفعيل”.

كارني يرفض الخضوع: الأمن لا يُقايض بالسيادة
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات منذ وصوله إلى الحكم، لم يقف مكتوف الأيدي أمام الضغوط الأميركية. في خطاب رسمي نقلته رويترز، شدّد كارني على أن كندا “ملتزمة بالاتفاق التجاري وبالتعاون الأمني، لكنها لن تقبل أن تتحول الرسوم الجمركية إلى أداة سياسية تعاقب شعوبنا بدل المجرمين الحقيقيين”.
وتشير وثائق حكومية كندية، نشرتها وزارة المالية عبر موقعها الرسمي، إلى أن أوتاوا تدرس تقديم بيانات استخباراتية مشتركة إلى الولايات المتحدة، بهدف إثبات جهودها في تتبع شبكات غسل الأموال المرتبطة بتهريب المخدرات. وبحسب مصادر كندية مطلعة، فقد أنشأت حكومة كارني وحدة خاصة تحت إشراف ما يُعرف بـ”قيصر الفنتانيل”، مسؤول رفيع أوكلت إليه مهمة تنسيق التعاون الأمني مع واشنطن ومكسيكو سيتي.
غير أن كارني حرص على رسم خطوط حمراء سيادية، إذ قال أمام البرلمان: “كندا لن تسمح بأن تتحول حدودها إلى أداة مساومة سياسية، ولن نقبل أن تُفرض علينا رسوم بحجة أمنية لا تدعمها الوقائع”.
المكسيك بين مطرقة واشنطن وسندان السيادة الوطنية
المكسيك، بقيادة الرئيسة كلوديا شاينباوم، وجدت نفسها في قلب العاصفة. ففي اجتماع رسمي مع المسؤول الأميركي جون هيرلي، أكدت شاينباوم أن بلادها “اتخذت خطوات أمنية واستخباراتية غير مسبوقة، من بينها تفكيك ثلاث شبكات رئيسية للفنتانيل وتسليم مطلوبين للولايات المتحدة”.
بيد أن المكسيك رفضت ما وصفته بـ”الإملاءات الأميركية”، مؤكدة أن التعاون يجب أن يتم “وفق سيادة الدولة والقوانين المكسيكية”. تعكس هذه التصريحات توازنًا هشًّا تحاول مكسيكو سيتي الحفاظ عليه: من جهة، لا يمكنها المخاطرة بإغضاب واشنطن، ومن جهة أخرى، تخشى أن يُنظر إلى تنازلاتها الأمنية كخرق للسيادة الوطنية.
وبحسب تقرير استخباري مسرّب إلى أسوشييتد برس، تشكك واشنطن في التزام بعض أجهزة الأمن المكسيكية، معتبرة أن “اختراق الكارتلات لمؤسسات محلية” يجعل أي تعاون ناقصًا بطبيعته. هذا التسريب أثار توتّرًا إضافيًا، خاصة مع تمسّك شاينباوم بضرورة “تنظيف الأجهزة الأمنية داخليًا قبل زيادة التعاون الخارجي”.

تحالف على شفا الانهيار
المشهد الراهن يُظهر أن التحالف الثلاثي بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يمرّ بأخطر مراحله منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة قبل ربع قرن. بيد أن الضغوط الأميركية لم تعد مقتصرة على البعد الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتطال صميم التعاون الاستخباراتي والأمني، حيث تربط واشنطن التجارة بالأمن وتستخدم الرسوم الجمركية كأداة عقابية.
من جهتها، تحرص أوتاوا على الردّ ببيانات استخباراتية وعمليات ضبط دقيقة دون التنازل عن سيادتها الوطنية، فيما تحاول مكسيكو سيتي التوفيق بين شراكة حيوية مع واشنطن وحماية كرامتها الوطنية، وسط تقارير عن اختراقات خطيرة داخل أجهزتها الأمنية.
تكشف الأرقام عمق الأزمة: أكثر من 100 ألف وفاة سنويًا في الولايات المتحدة بسبب الفنتانيل وفق مركز السيطرة على الأمراض، ضبطت كندا أكثر من 2,500 شحنة مخدرات مرتبطة بالكارتلات خلال 2025، وسلمت المكسيك أكثر من 12 شخصية بارزة من الكارتلات إلى واشنطن منذ بداية العام. كل هذه المؤشرات تؤكد أن الفجوة بين السياسات الأميركية وطموحات الدولتين الجارتين تتسع بسرعة.
تساؤلات مصيرية: هل تنجو اتفاقية يوسمكا؟
يبقى السؤال المحوري حول ما إذا كانت هذه الإجراءات والبيانات الاستخباراتية تكفي لإنقاذ اتفاقية “يوسمكا” من الانهيار، أم ستستمر سياسة “الأمن مقابل التجارة” لتفجير تحالف أميركا الشمالية من الداخل.
وسيبقى سبتمبر 2025 علامة فارقة في تاريخ العلاقات الثلاثية بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة، شهر كشف فيه بوضوح أن الأمن لم يعد قضية داخلية فحسب، بل أصبح عملة تفاوضية يمكن أن تعيد تشكيل خريطة القوة في القارة، لتصبح المنطقة الشمالية للقارة الأميركية على شفا صدام سياسي وتجاري وأمني لم يسبق له مثيل.





