ترامـب يُهدّد جارهُ الهادئ: لماذا وضع كندا على خطّ النار؟
في سابقة غير مألوفة في تاريخ العلاقات الأميركية–الكندية، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته تجاه أوتاوا، ملوّحًا بإعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية “يوسمكا” وفرض رسوم جمركية على الصادرات الكندية.
كـندا، التي طالما قدّمت نفسها بوصفها الجار الهادئ والمتعاون، وجدت نفسها فجأة في مرمى الخطاب الناري لترامب، الذي لا يتردد في تحويل الحلفاء إلى خصوم إذا تعارضت مصالحه السياسية أو الاقتصادية.
ومع مطلع عام 2026، قال ترامب إن “الولايات المتحدة تتحمل عبئًا غير عادل في تجارتها مع كندا”، مضيفًا أن بلاده “لن تستمر في حماية اقتصادات الآخرين على حساب دافعي الضرائب الأميركيين”.
هذه التطورات أثارت تساؤلات عميقة في الأوساط الدبلوماسية والاقتصادية حول مستقبل العلاقات بين البلدين، خصوصًا بعد أن أعاد ترامب إلى الواجهة أفكارًا كانت تُعدّ من الماضي، مثل إمكانية ضم كندا إلى الولايات المتحدة كـ “الولاية 51″.
ورغم أن هذه التصريحات قُدّمت في بعض الأحيان بصيغة ساخرة، فإن تداول خريطة على منصات قريبة من ترامب تُظهر الولايات المتحدة ممتدة جغرافيًا على حساب كندا منحها بُعدًا سياسيًا مقلقًا، وأعاد إلى الأذهان أسوأ سيناريوهات التوتر بين البلدين.
فهل تمثل تهديدات ترامب مجرد ورقة ضغط للحصول على تنازلات تجارية جديدة، أم أنها تعكس تحولًا استراتيجيًا في طبيعة العلاقة بين واشنطن وأوتاوا، يضع نهاية لعقود من الثقة والشراكة عبر الحدود الأطول والأهدأ في العالم؟

اقتصاد متشابك… شراكة ومخاطر
تُعد العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وكندا من الأكثر العلاقات تشابكًا في العالم، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من 950 مليار دولار سنويًا، وتشكل السوق الأميركية المنفذ الرئيس لنحو 75% من الصادرات الكندية، في حين تعتمد الشركات الأميركية على الموارد الكندية في قطاعات الطاقة والمعادن والأخشاب وصناعة السيارات، ما يجعل أي اضطراب في هذه العلاقة مؤثرًا على اقتصاد كلا البلدين.
كندا هي أكبر مصدر للنفط الخام إلى الولايات المتحدة، متقدمة على السعودية والمكسيك، وتُعد المورد الأساسي للألومنيوم والأخشاب المستخدمة في الصناعات الأميركية. لكن هذا الارتباط الاقتصادي تحوّل في خطاب ترامب إلى “علاقة استغلال”، إذ يرى أن كندا تحقق مكاسب على حساب العمال الأميركيين في ولايات الشمال الصناعي.
غير أن الإحصاءات الرسمية من وزارة التجارة الأميركية تفنّد هذا الادعاء، إذ تُظهر أن الولايات المتحدة تحقق فائضًا في قطاعات الخدمات والتكنولوجيا والمنتجات الزراعية.
ويرى خبراء أن إنهاء المحادثات الحالية مع كندا يعيد التوتر إلى الواجهة في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية العالمية، مثل تباطؤ النمو، وتقلبات أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد. كما تثير هذه التطورات مخاوف من دخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الحروب التجارية قد تشمل شركاء آخرين، ما يهدد الاستقرار التجاري في أميركا الشمالية ويؤثر على الاستثمارات الإقليمية التي بلغت أكثر من 600 مليار دولار خلال السنوات الماضية.
وقال الباحث في العلاقات الدولية حسين نافعة، في تصريح لـ “هنا كندا”: إن قرار ترامب في اللحظة الأخيرة بتأجيل تطبيق الرسوم الجمركية أثار قدرًا من الارتياح، مشيرًا إلى أن كندا قامت بتعزيز أمن الحدود ومكافحة المخدرات وغسيل الأموال، إلا أن “خطر حرب الرسوم الجمركية لا يزال يلوح في الأفق”.
وأضاف أن الرئيس ترامب أشاد مرارًا بالرسوم الجمركية بوصفها أدوات “جميلة” متعددة الأغراض يمكن أن تحفّز التصنيع المحلي وتحقق عائدات ضخمة للخزانة الأميركية.
وقد أظهرت كندا رغبتها في التفاوض، وتسعى إلى تمديد التأجيل إلى ما بعد الثلاثين يومًا أو حسم الخلاف بشكل كامل. إلا أن ردها في نهاية الأسبوع أشار إلى استعدادها للرد على الرسوم الجمركية أيضًا، الأمر الذي ربما دفع ترامب إلى تأجيل تطبيقها. ويبدو أن تهديداته قد نشّطت نزعة قومية كامنة، ولكن قوية داخل المجتمع الكندي.
وقال نافعة إن الرئيس ترامب كرر دعوته إلى أن تصبح كندا “الولاية الأميركية رقم 51″، وهي تصريحات لم يتلقّها معظم الكنديين كدعوة، بل باعتبارها “اعتداءً على اقتصاد كندا وسيادتها”، خاصة حين اقترنت بالتهديد باستخدام “القوة الاقتصادية”.

اتفاقيات تحت الضغط
في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وقّعت الولايات المتحدة والمكسيك وكندا اتفاقية “يوسمكا”، ودخلت حيّز التنفيذ في يوليو/تموز 2020، لتحل محل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا). ورغم أن نافتا لعبت دورًا محوريًا في خفض التعريفات الجمركية بين الدول الثلاث، إلا أنها واجهت انتقادات بسبب فقدان الوظائف في الولايات المتحدة، ما دفع إلى إنشاء اتفاقية “USMCA” التي تهدف إلى تعزيز التجارة في أميركا الشمالية عبر أحكام جديدة تُحسّن قوانين العمل، وتزيد من متطلبات المحتوى الإقليمي لقطاع السيارات، وتوسّع نطاق حماية الملكية الفكرية.
لكن الملف لم يُغلق. ففي خطاباته الأخيرة، عاد ترامب للتشكيك في التزام كندا ببنود الاتفاق، متحدثًا عن “خروقات” في دعم الصناعات المحلية الكندية وفرض قيود على منتجات الألبان الأميركية.
وفي هذا السياق، أكد الصحفي المتخصص في الشؤون الدولية حيدر الجابري لموقع هنا كندا أن هذه التصريحات ليست سوى أداة ضغط تفاوضي، موضحًا أن “ترامب يستخدم الاتفاقيات بالطريقة نفسها التي استخدم بها اتفاقيات الصين والمكسيك: كأوراق ضغط وإخضاع، لا كسياسات اقتصادية مدروسة”.
وأوضح الجابري أن وراء التصعيد الاقتصادي سلسلة من التباينات السياسية العميقة بين ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، اللذين يمثلان نقيضين في الفكر والسياسة. ففي الملف الفلسطيني، أعلنت كندا دعمها الرسمي للاعتراف بدولة فلسطين، وهو ما يتناقض جذريًا مع موقف ترامب الداعم المطلق لإسرائيل، وقد اعتبر ترامب موقف أوتاوا “خيانة لحليف استراتيجي”، في إشارة إلى تل أبيب.
وفي سياق آخر، أشار الباحث حسين نافعة إلى أن كندا تُعد من أكثر الدول الغربية تشددًا في دعم كييف، وقدّمت مساعدات عسكرية ومالية تفوق قدراتها الاقتصادية، في وقت يدعو فيه ترامب إلى تقليص الدعم وفتح مفاوضات مع موسكو. وبينما يتبنى ترامب نهجًا عدائيًا تجاه بكين، تواصل كندا تعزيز علاقاتها التجارية والتكنولوجية مع الصين، معتبرة أن فصل الاقتصادين “غير واقعي”. هذه التناقضات جعلت من كندا شوكة رمزية في خاصرة مشروع ترامب لإعادة رسم التحالفات الدولية وفق منطق الولاء المطلق لواشنطن.
ماذا لو تحولت التهديدات إلى أفعال؟
من جانبه، أوضح الدكتور علي عبد القادر، الباحث في العلاقات الدولية، لـ “هنا كندا” أن احتمال فرض عقوبات حقيقية يبدو ضعيفًا، لكنه غير مستبعد كليًا. فترامب، بخلاف أسلافه، لا يتردد في اتخاذ قرارات مفاجئة كما فعل سابقًا مع الصين وتركيا والمكسيك.
وفي حال قرر فرض رسوم جمركية جديدة أو تعليق بعض بنود الاتفاقية، فإن التأثير سيكون متبادلًا وقاسيًا: على كندا من خلال تراجع الصادرات الصناعية وارتفاع البطالة في المقاطعات المنتجة للسيارات والطاقة، وعلى الولايات المتحدة عبر ارتفاع أسعار الوقود والمعادن والمنتجات الخشبية واضطراب سلاسل التوريد.
ويؤكد عبد القادر أن “الاقتصادين متداخلان إلى درجة تجعل أي حرب تجارية بمثابة إطلاق النار على القدمين معًا”.
أوراق القوة الكندية… الهدوء كسلاح
يرى الجابري أنه رغم محدودية قدراتها مقارنة بواشنطن، تمتلك كندا أدوات ضغط فاعلة قد تجعلها في موقع تفاوضي أقوى مما يبدو. فهي أكبر مصدر للنفط الخام إلى الولايات المتحدة، وأي تقييد للإمدادات سيؤدي إلى اضطراب في أسعار الطاقة. كما أن كندا عضو أساسي في تحالف “العيون الخمس” الاستخباري مع الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا، ما يمنحها ورقة تفاوض مهمة.
ويشير الجابري إلى أن كندا قادرة على توسيع علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي لتعويض أي خسائر أميركية، فضلًا عن امتلاكها قوة ناعمة تتمثل في صورتها الدولية كدولة منفتحة ومستقرة، ما يمنحها دعمًا دبلوماسيًا واسعًا في أي مواجهة سياسية. ويرى محللون أن الحكومة الكندية ستختار “الصبر الدبلوماسي” بدل المواجهة المباشرة، مع الاعتماد على المؤسسات الأميركية والكونغرس لكبح اندفاع ترامب المحتمل.

واشنطن بين شعار “أميركا أولًا” وتحديات الحلفاء
يؤكد عبد القادر أن ما يحدث مع كندا يفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل العلاقات الأميركية مع حلفائها الغربيين. فمنذ وصول ترامب إلى السلطة عام 2017، تبنّى سياسة الحمائية الاقتصادية و”إعادة تعريف التحالفات” وفق مبدأ المعاملة بالمثل. ولم تقتصر هذه السياسة على الخصوم مثل الصين، بل شملت حلفاء تقليديين كألمانيا وفرنسا واليابان. ويرى أن “ما يميز ترامب ليس عداءه للأعداء، بل قدرته على تحويل الأصدقاء إلى خصوم مؤقتين لتحقيق مكاسب تفاوضية”.
في المقابل، التزمت الحكومة الكندية موقفًا متزنًا، رافضة الانجرار إلى سجال مباشر، حيث أكد مسؤولون كنديون إيمانهم بالحوار والعمل عبر القنوات الدبلوماسية، مشددين على أن كندا ستظل شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة مهما بلغت الخلافات.
وختم عبد القادر بالقول: إن خلف هذا الهدوء يسود قلق واضح في أوساط رجال الأعمال الكنديين، الذين يرون أن “أي اضطراب في العلاقات مع واشنطن كفيل بإحداث هزة اقتصادية داخلية”.
وتشير تقارير إعلامية كندية إلى أن وزارة التجارة بدأت بالفعل إعداد خطط طوارئ في حال قرر ترامب تنفيذ تهديداته.
في ضوء التصعيد الأخير، تبدو العلاقات الأميركية–الكندية أمام مرحلة من التطورات المتسارعة. فبينما يسعى ترامب لفرض مقاربة تقوم على المصالح الاقتصادية الضيقة وسياسة الابتزاز التجاري، تتمسّك كندا بخطاب التعددية والشراكة المتوازنة. غير أن الواقع الجديد يفرض تحديات معقدة على أوتاوا، التي تجد نفسها مضطرة لإعادة تعريف موقعها في معادلة القوة مع واشنطن، وربما البحث عن تحالفات بديلة تحصّن اقتصادها وتضمن استقلال قرارها السياسي.
ومهما تكن دوافع ترامب، فإن تهديداته فتحت نقاشًا واسعًا حول حدود الصبر الكندي أمام نزعة الهيمنة الأميركية، وحول مستقبل نموذج “الجار الهادئ” الذي شكّل لعقود ركيزة للاستقرار في شمال القارة الأميركية. وقد تكون هذه الأزمة اختبارًا عابرًا، أو بداية لمرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، مرحلة تُعاد فيها صياغة خريطة النفوذ والاعتماد المتبادل بين واشنطن وأوتاوا في عالم تتراجع فيه ثوابت التحالفات التقليدية.




