أمريكا الشمالية

حرس الحدود الكوبيّ يعلن مقتل 4 مسلّحين في زورق أميركيّ قبالة سواحل الجزيرة وواشنطن تُباشر تحقيقًا في الواقعة

قُتل أربعة أشخاص وأُصيب ستة آخرون في اشتباك مسلّح بين قوات حرس الحدود الكوبية وزورق سريع مسجّل في ولاية فلوريدا الأميركية، بعد دخوله المياه الإقليمية الكوبية قبالة الساحل الشمالي للجزيرة، في حادثة أعادت التوتر بين هافانا وواشنطن إلى الواجهة وسط مناخ سياسي متصاعد الحساسية.

وقالت وزارة الداخلية الكوبية إن الزورق، الذي كان على متنه عشرة أشخاص، دخل المياه الإقليمية بالقرب من منطقة كايو فالكونيس في مقاطعة فيّا كلارا، على بُعد نحو 1.6 كيلومتر شمال شرق الجزيرة الصغيرة، قبل أن تبادر القوات الكوبية باعتراضه. ووفق البيان الرسمي، أطلق أحد ركاب الزورق النار أولًا على الدورية الكوبية، ما أدى إلى إصابة قائدها، لتردّ القوات بإطلاق النار، ما أسفر عن مقتل أربعة من الركاب وإصابة ستة آخرين جرى توقيفهم ويتلقون العلاج.

رواية كوبية: محاولة تسلّل لأغراض إرهابية

السلطات الكوبية وصفت الحادثة بأنها “محاولة تسلّل مسلّحة لأغراض إرهابية”، مؤكدة أن الركاب هم كوبيون مقيمون في الولايات المتحدة وكانوا يحملون بنادق هجومية ومسدسات وزجاجات حارقة. وأضافت أن “أغلبية الركاب لديهم سجل معروف من الأنشطة الإجرامية والعنيفة”.

وحددت السلطات اسمين قالت إنهما مطلوبان سابقًا في قضايا تتعلق بـ”الترويج أو التخطيط أو تمويل أو دعم أعمال إرهابية”، وهما أميخايل سانشيز غونزاليس وليوردان إنريكي كروز غوميز. كما أعلنت توقيف شخص ثالث، دانييل هيرنانديز سانتوس، قالت إنه أُرسل من الولايات المتحدة “لتسهيل استقبال عملية التسلّل المسلح”، وأشارت إلى أنه “اعترف بأفعاله”.

وذكرت الحكومة أنها تعرّفت إلى سبعة من الركاب، من بينهم كونرادو غاليندو ساريول، وخوسيه مانويل رودريغيز كاستيّو، وكريستيان إرنستو أكوستا غيفارا، وروبرتو أزكورّا كونسغرا. وأكدت أن أحد القتلى هو ميشيل أورتيغا كاسانوفا، فيما لم تُعلن بعد أسماء بقية القتلى. وشددت وزارة الداخلية على أن “التحقيق مستمر حتى تتضح جميع الملابسات بشكل كامل”.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحفيين في صالة المغادرة قبل عودته إلى واشنطن عقب اجتماعاته مع قادة مجموعة الكاريبي، في مطار روبرت إل. برادشو الدولي في باستير، سانت كيتس ونيفيس، بتاريخ 25 فبراير – الصورة لـ وكالة الانباء الفرنسية | غيتي إيماجيس | سي إن إن عبر واي 31-آي بي سي

واشنطن تتحفّظ: سنحدّد ما حدث بالضبط

من جهته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة أُبلغت بالحادثة قبل إعلانها رسميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى وجود “اتصال دائم على مستوى خفر السواحل” بين البلدين. وأكد أن الحادثة “ليست عملية حكومية أميركية”، وأن الزورق لا يتبع لأي مهمة رسمية.

وأضاف روبيو، خلال تصريحاته في مطار روبرت برادشو الدولي في باستير بسانت كيتس ونيفيس، أن ما جرى “أمر غير معتاد للغاية”، قائلًا: “ليس من الطبيعي أن نشهد تبادلًا لإطلاق النار في عرض البحر بهذا الشكل. هذا شيء لم يحدث مع كوبا منذ وقت طويل”.

وشدد على أن وزارة الأمن الداخلي وخفر السواحل الأميركيين يحققان في الحادثة، وأن واشنطن لن تعتمد فقط على المعلومات التي قدمتها السلطات الكوبية، مضيفًا: “سنكوّن معلوماتنا الخاصة، وسنحدّد بدقة ما الذي حدث، ثم سنتصرف بناءً على ذلك”.

كما أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن البيت الأبيض يتابع التطورات عن كثب بعد إحاطة قدّمها روبيو، معربًا عن أمله في ألا تكون الوقائع “أسوأ مما يُخشى”.

مطالبات بالتحقيق ومحاسبة كوبا

في ولاية فلوريدا، دعا المدعي العام جيمس أوثماير إلى فتح تحقيق، معلنًا توجيه مكتبه للتعاون مع السلطات الفدرالية وسلطات إنفاذ القانون على المستويين المحلي والولائي. كما طالب النائب الجمهوري كارلوس أ. خيمينيز، الذي يمثل جنوب فلوريدا، بتحديد ما إذا كان أي من القتلى أو الجرحى مواطنين أميركيين أو مقيمين دائمين، مؤكدًا ضرورة “تحديد ما حدث بدقة”.

من جهته، وصف السيناتور ريك سكوت الحادثة بأنها “مقلقة للغاية”، داعيًا إلى محاسبة الحكومة الكوبية إذا ثبتت مسؤوليتها عن استخدام مفرط للقوة.

سياق سياسي متفجّر

تأتي الحادثة في ظل توتر متصاعد بين البلدين، خاصة بعد تشديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفها من كوبا. فبعد إطاحة حليف هافانا، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، اتخذت واشنطن خطوات للضغط الاقتصادي على الجزيرة، بما في ذلك وقف شحنات النفط الفنزويلية وفرض إجراءات عقابية إضافية على الدول التي تزود كوبا بالطاقة.

وقد دخلت الأزمة الطاقوية في كوبا مرحلة أكثر حدة مع توقيع ترامب أمرًا تنفيذيًا يفرض رسومًا جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر النفط لها، ما زاد الضغوط على الاقتصاد الكوبي الذي يعاني أصلًا من نقص حاد في الوقود والمواد الأساسية.

في المقابل، دعا روبيو الحكومة الكوبية إلى تنفيذ “إصلاحات جذرية تفتح المجال للحرية الاقتصادية، ولاحقًا السياسية، للشعب الكوبي”.

قالت وزارة الداخلية الكوبية إن المصابين تم إجلاؤهم وتلقوا الرعاية الطبية، وأن التحقيق جارٍ لتوضيح ما حدث بالكامل – الصورة لـ منصة مــاركو برس

سوابق بحرية لكن دون قتلى مؤخرًا

رغم أن الاشتباكات المحدودة بين خفر السواحل الكوبي وزوارق مسجّلة في الولايات المتحدة ليست أمرًا غير مسبوق، فإن سقوط قتلى في تبادل لإطلاق النار يُعد تطورًا نادرًا في السنوات الأخيرة. وتشير بيانات سابقة إلى اعتراض السلطات الكوبية عددًا من الزوارق الأميركية في الأعوام الماضية، بعضها كان متجهًا لتهريب مهاجرين أو لنقل أشخاص من الجزيرة إلى فلوريدا.

ويعيش في الولايات المتحدة مجتمع كوبي كبير، يضم شريحة واسعة من المعارضين للنظام في هافانا. وخلال السنوات الأخيرة، غادر مئات الآلاف من الكوبيين البلاد عبر طرق برية وبحرية محفوفة بالمخاطر، في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

حتى الآن، لم يتضح بشكل مستقل ما الذي كان يفعله الزورق داخل المياه الكوبية، ولا طبيعة المواجهة الدقيقة التي أدت إلى سقوط القتلى. كما لم تؤكد واشنطن بعد ما إذا كان أي من الضحايا يحمل الجنسية الأميركية أو الإقامة الدائمة.

وتبقى الروايتان، الكوبية التي تصف الحادثة بمحاولة “تسلّل إرهابية”، والأميركية التي تتحفّظ بانتظار نتائج التحقيق، عنوانًا لمرحلة جديدة من الشكوك المتبادلة. وفي ظل هشاشة العلاقة بين البلدين، يخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الحادث البحري إلى تصعيد سياسي وأمني إضافي، ما لم تُحسم الحقائق سريعًا عبر قنوات التحقيق والتواصل الدبلوماسي.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل