صراع الصلاحيّات يشتعل في واشنطن: الكونغرس يضغط وترامب يتمسّك بمواصلة الحرب
تتصاعد المواجهة السياسية داخل الولايات المتحدة مع اتساع الجدل في الكونغرس بشأن الحرب الدائرة مع إيران، في أزمة تعكس انقسامًا حادًا بين البيت الأبيض وعدد متزايد من المشرعين الذين يطالبون الإدارة بتوضيح أهداف العمليات العسكرية وكلفتها السياسية والاقتصادية. فمع استمرار الضربات العسكرية في الشرق الأوسط وارتفاع مستوى التوتر الإقليمي، تحوّل الملف الإيراني إلى محور صراع سياسي داخلي قد يعيد رسم التوازنات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في واشنطن.
وفي قلب هذا الجدل، أعلن عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ إطلاق تحرك سياسي جديد يهدف إلى فرض رقابة على الحرب. فقد طالب ستة من أعضاء المجلس بعقد جلسات استماع علنية عاجلة في الكونغرس لمساءلة كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية حول أسباب العمليات العسكرية وأهدافها الاستراتيجية. وقال أحد هؤلاء المشرعين إن الشعب الأمريكي يستحق معرفة حقيقة ما يجري وتداعيات هذه الحرب، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، مشددًا على ضرورة أن يقدم مسؤولو الإدارة شهاداتهم تحت القسم أمام الكونغرس.
ولم يقتصر الأمر على المطالبة بجلسات الاستماع، إذ لوّح بعض أعضاء مجلس الشيوخ بإجراءات تصعيدية قد تصل إلى تعطيل عمل المجلس إذا رفضت الأغلبية الجمهورية فتح تحقيق رسمي في الحرب. ويعكس هذا التهديد مستوى الاحتقان السياسي داخل المؤسسة التشريعية، حيث يرى الديمقراطيون أن الإدارة مضت في العمليات العسكرية دون تفويض واضح من الكونغرس.
ضغوط داخل الكونغرس لوقف تمويل الحرب
في موازاة ذلك، بدأ جدل آخر يتصاعد حول مسألة تمويل العمليات العسكرية. فخلال مناظرة سياسية تناولت الحرب الدائرة، أعلن عدد من المرشحين الديمقراطيين لمجلس الشيوخ، وفقًا لوسائل إعلام أمريكية، أنهم سيعارضون أي حزمة تمويل إضافية للحرب ضد إيران. وأكد أحد هؤلاء المرشحين أنه سيصوت ضد أي تمويل جديد للعمليات العسكرية، معتبرًا أن الحرب لم تحصل أساسًا على موافقة الكونغرس.
ويأتي هذا الموقف في وقت تشير فيه تقديرات غير رسمية إلى أن كلفة العمليات العسكرية قد ترتفع إلى عشرات المليارات من الدولارات إذا استمر الصراع لفترة طويلة. ويخشى عدد من المشرعين أن يتحول النزاع إلى حرب مفتوحة تستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة، كما حدث في حروب سابقة في الشرق الأوسط.

هل تتجه واشنطن إلى أزمة دستورية جديدة؟
وسط هذه التطورات، يطرح مراقبون سؤالًا محوريًا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو مواجهة دستورية بين البيت الأبيض والكونغرس. فالدستور الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه في الوقت نفسه يقيّد قدرته على خوض حروب طويلة دون موافقة السلطة التشريعية.
وفي هذا السياق، يشير خبراء قانونيون إلى أن استمرار العمليات العسكرية دون تفويض رسمي قد يعيد إلى الواجهة الجدل القديم حول قانون صلاحيات الحرب الذي أقره الكونغرس بعد حرب فيتنام بهدف الحد من قدرة الرؤساء الأمريكيين على خوض نزاعات عسكرية واسعة دون موافقة المشرعين.
انقسام داخل الحزب الجمهوري
الانقسام لم يقتصر على المواجهة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل بدأ يظهر أيضًا داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبينما يواصل عدد كبير من الجمهوريين دعم سياسة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة إيران، عبّر بعض السياسيين المحافظين عن تحفظات بشأن كيفية إدارة الحرب ومسارها المحتمل.
في المقابل، حاول الرئيس ترامب التقليل من أهمية هذه الخلافات. فقد أكد أن العمليات العسكرية تسير وفق الخطة الموضوعة، وأن الهدف الرئيسي يتمثل في إزالة التهديد النووي الإيراني. وقال ترامب، بحسب آن بي سي نيوز، إن الحرب لن تكون طويلة، مؤكدًا أن العمليات الجارية تهدف إلى إنهاء هذا التهديد بسرعة.
ومع ذلك، أقر الرئيس الأمريكي بوجود اختلافات داخل الإدارة الأمريكية حول طريقة إدارة الصراع، واصفًا تلك الخلافات بأنها اختلافات “فلسفية” تتعلق بتقدير أفضل السبل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
قدامى العسكريين في الكونغرس يحذرون
ومن بين الأصوات الأكثر حضورًا في النقاش داخل الكونغرس عدد من النواب الذين خدموا سابقًا في القوات المسلحة الأمريكية وشاركوا في حربي العراق وأفغانستان. هؤلاء المشرعون يحذرون من مخاطر الانزلاق إلى صراع طويل في الشرق الأوسط.
ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، شدد بعض هؤلاء النواب على ضرورة تجنب تكرار أخطاء الحروب السابقة في المنطقة، مؤكدين أن الولايات المتحدة يجب أن تتعامل بحذر شديد مع أي تصعيد قد يقود إلى تدخل عسكري أوسع أو إرسال قوات برية.

الاقتصاد يدخل قلب المعركة السياسية
لم يقتصر الجدل على البعد العسكري والسياسي للحرب، بل امتد أيضًا إلى الاقتصاد. فقد بدأت أسعار النفط والوقود في الولايات المتحدة تشهد ارتفاعًا ملحوظًا مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، الأمر الذي أثار قلقًا واسعًا لدى المستهلكين والشركات على حد سواء.
وفي مواجهة الانتقادات، دافع الرئيس ترامب عن هذه الارتفاعات، معتبرًا أنها نتيجة مؤقتة للصراع. وأوضح أن الزيادة في أسعار النفط تمثل ثمنًا محدودًا إذا كان الهدف النهائي هو تحقيق الأمن والاستقرار.
بيد أن هذا التصريح أثار موجة انتقادات جديدة من خصومه السياسيين، الذين رأوا أن الإدارة تقلل من تأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي وعلى حياة المواطنين، خاصة في ظل الضغوط التضخمية التي تشهدها البلاد.
مشهد سياسي متوتر
كل هذه التطورات تشير إلى أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من التوتر السياسي الداخلي. فالحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط تحولت سريعًا إلى قضية مركزية في النقاش السياسي داخل واشنطن، حيث تتقاطع فيها أسئلة الأمن القومي مع قضايا الدستور والاقتصاد والسياسة الانتخابية.
ويرى محللون أن الأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد مسار هذا الصراع السياسي. فإذا استمرت العمليات العسكرية وارتفعت الخسائر البشرية أو التكاليف الاقتصادية، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط على الإدارة الأمريكية داخل الكونغرس.
وثمة اعتقاد لدى بعض المراقبين بأن هذا الجدل قد يتطور إلى مواجهة سياسية أوسع بين البيت الأبيض والكونغرس، خاصة إذا حاول المشرعون استخدام أدواتهم الدستورية للحد من صلاحيات الرئيس في إدارة الحرب.
وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن العمليات العسكرية ضرورية لحماية الأمن القومي، يصر عدد متزايد من المشرعين على أن الكونغرس يجب أن يكون شريكًا أساسيًا في قرار الحرب. وبين هذين الموقفين المتعارضين، تتشكل ملامح معركة سياسية قد تصبح واحدة من أكثر المواجهات الداخلية حدة في الولايات المتحدة، في وقت يترقب فيه العالم ما إذا كان الصراع بين واشنطن وطهران سيتوقف عند حدود المواجهة الإقليمية أم سيتحول إلى أزمة دولية أوسع.





