وزارةُ العدل الأمريكيّة تُفرج عن أرشيفٍ ضخم من ملفّات إبستين وتكشفُ تورّط ترامب وشخصيّات نافذة
أفرجت وزارة العدل الأمريكية، في خطوة طال انتظارها وأثارت عاصفة سياسية وإعلامية، عن أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بالتحقيقات الفيدرالية في قضية جيفري إبستين، الممول الراحل والمدان بجرائم جنسية بحق قاصرات، في واحدة من أضخم عمليات النشر القضائي في تاريخ الوزارة. الوثائق تضم آلاف المذكرات الداخلية، ونماذج مقابلات مكتب التحقيقات الفيدرالي، ورسائل إلكترونية، وسجلات مالية، إلى جانب أكثر من ألفي مقطع فيديو ونحو 180 ألف صورة، وكشفت ليس فقط عن تفاصيل جديدة تتعلق بشبكة إبستين، بل عن عمق الإرباك المؤسسي، والتناقضات السياسية، وحجم الغضب المتراكم لدى الضحايا والرأي العام الأمريكي.
الإفراج جاء بعد شهور من الضغوط القانونية والسياسية، عقب إقرار الكونغرس قانونًا يُلزم وزارة العدل بالكشف عن جميع الملفات المرتبطة بإبستين قبل ديسمبر 2025، وسط شبه إجماع من مشرعي الحزبين، في ظل شعور عام بأن الحكومة أخفت معلومات حساسة لحماية شخصيات نافذة. ورغم إعلان نائب المدعي العام تود بلانش أن الوزارة أنهت مراجعتها بالكامل وأن البيت الأبيض “لم يكن له أي إشراف” على عملية النشر، إلا أن توقيت الإفراج وطريقته فتحا بابًا واسعًا للتشكيك.

وثائق صادمة تكشف تورط شخصيات نافذة
الوثائق الجديدة تحتوي إشارات مباشرة وغير مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الأسبق بيل كلينتون، والملياردير إيلون ماسك، إضافة إلى مسؤولين سابقين في البيت الأبيض وشخصيات سياسية واقتصادية دولية. وتؤكد وزارة العدل أن ذكر الأسماء لا يعني بالضرورة تورطًا جنائيًا، مشددة على أن جزءًا من المواد المنشورة يتضمن بلاغات غير موثقة ونصائح وردت إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي من العامة دون التحقق من مصداقيتها.
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل هو قائمة أعدها مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2025، تتضمن مزاعم وبلاغات تتعلق بدونالد ترامب، كثير منها “غير مثبت” أو قائم على معلومات ثانوية. البيت الأبيض سارع إلى نفي هذه المزاعم واصفًا إياها بأنها “غير صحيحة وكاذبة”، مؤكدًا أن أي ادعاء ذي مصداقية كان سيُستخدم سياسيًا ضد ترامب في وقت سابق. ترامب نفى مرارًا أي تورط في جرائم إبستين، ولم يتهمه أي جهاز إنفاذ قانون رسميًا بارتكاب مخالفات مرتبطة بالقضية.

الملفات لا تقتصر على ترامب وحده، بل تشمل مراسلات إلكترونية تعود إلى عامي 2012 و2013 تُظهر أن إيلون ماسك تبادل رسائل مع إبستين لترتيب زيارات محتملة إلى إحدى جزر الكاريبي المملوكة له. الرسائل تتناقض مع تصريحات سابقة لماسك قال فيها إنه “رفض” عروضًا لزيارة جزيرة إبستين. الوثائق لا توضح ما إذا كانت الزيارات قد تمت، لكنها تكشف مستوى من التواصل لم يكن معروفًا سابقًا، ما دفع ممثلي ماسك إلى التزام الصمت وعدم التعليق فورًا.
كما كشفت الملفات عن مراسلات تعود إلى عام 2014 بين إبستين وكاثي روملر، المستشارة القانونية في البيت الأبيض خلال إدارة باراك أوباما، قبل أن تصبح كبيرة المستشارين القانونيين في بنك غولدمان ساكس. إحدى الرسائل تُظهر أن روملر أرسلت لإبستين مسودة بيان للاعتذار عن عدم تولي منصب المدعي العام الأمريكي، طالبة “رأيه” في الصياغة. ورغم أن روملر نفت تمثيله قانونيًا لاحقًا، تسلط الوثائق الضوء على قربه من دوائر صنع القرار حتى بعد إدانته الجنائية عام 2008.
الملفات تضمنت أيضًا صور توقيف وسجلات مالية لغيسلين ماكسويل، شريكة إبستين التي أُدينت لاحقًا بالاتجار الجنسي، إضافة إلى تفاصيل عن حسابات مصرفية وتحويلات مالية بمئات آلاف الدولارات. كما ظهر اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، حيث كشفت مراسلات أنه أقام عدة مرات في شقة مملوكة لإبستين في نيويورك بعد إدانته، وهو ما سبق أن أقر به، مؤكدًا أنه لم يشهد أو يشارك في أي سلوك غير قانوني.
في قلب هذه الوثائق تقف نماذج “302” الشهيرة، وهي مذكرات مكتب التحقيقات الفيدرالي التي توثق مقابلات الشهود والضحايا. بالنسبة لكثير من الناجين، تمثل هذه النماذج أملًا متأخرًا لمعرفة ما إذا كانت إفاداتهم قد أُخذت على محمل الجد. بعض هذه المذكرات تتضمن شهادات صادمة لقاصرات عن استغلال جنسي ممنهج وعلاقات قسرية وشعور عميق بالإذلال، فيما جرى حجب أجزاء واسعة منها لحماية الخصوصية.

الإفراج عن الملفات يعيد الجدل حول وفاة إبستين وإخفاق العدالة
وسط هذا السيل من الوثائق، عاد الجدل حول وفاة إبستين في زنزانته عام 2019. مقابلة مطولة مع زميله في الزنزانة، إيفرين رييس، كشفت أنه توسّل إليه ألا ينتحر، وأن إبستين طمأنه بأنه “لن يسبب له مشاكل”. بعد أيام، عُثر على إبستين ميتًا. وزارة العدل أكدت أنه انتحار، لكن التفاصيل الجديدة لم تُنهِ الشكوك العامة، بل زادتها تعقيدًا.
ورغم أن الوزارة تصر على أن الإفراج الحالي يمثل نهاية المراجعة، يعترف مسؤولوها بأن “شهية الجمهور للمعلومات لن تُشبع”. فالقضية تجاوزت مسألة رجل واحد، لتصبح رمزًا لفشل نظام العدالة في مواجهة المال والنفوذ، ولعجز المؤسسات عن إنصاف الضحايا في الوقت المناسب.
لم يكن الجدل محصورًا في الأسماء الثقيلة فقط، بل امتد إلى طريقة تعامل المؤسسات الرسمية مع القضية منذ بدايتها. تحذيرات مبكرة حول سلوك إبستين وشبكته وُضعت على مكاتب جهات إنفاذ القانون منذ مطلع الألفية، لكن التعامل معها جاء بطيئًا، مجزأً، وأحيانًا مترددًا، في ظل اعتبارات سياسية وقانونية لم تُشرح للرأي العام حتى اليوم.
وثائق داخلية تشير إلى أن اتفاق الإقرار بالذنب الذي أبرمه إبستين عام 2008، والذي جنّبه ملاحقات فيدرالية أوسع، ظل نقطة سوداء في تاريخ الادعاء الأمريكي. ذلك الاتفاق، الذي وُصف بأنه “صفقة مخففة استثنائيًا”، سمح له بقضاء عقوبة محدودة مع امتيازات غير مسبوقة، ومكّنه من إعادة بناء شبكة علاقاته المالية والاجتماعية، بما في ذلك استئناف رحلاته الدولية والتقرب مجددًا من دوائر النفوذ. ملايين الصفحات المنشورة اليوم تسلط الضوء على تلك اللحظة باعتبارها أصل الخلل الذي سمح بتفاقم الجريمة بدل احتوائها.

شهادات الضحايا تكشف استغلالًا ممنهجًا وفشل حماية القانون
عدد من الناجين حذّروا من أن الإفراج عن الوثائق، رغم ضخامته، قد يتحول إلى “ضجيج أرشيفي” يُغرق الحقيقة بدل كشفها. شهاداتهم في نماذج مقابلات مكتب التحقيقات الفيدرالي ترسم صورة لسنوات من الاستغلال المنهجي، حيث جرى استدراج فتيات في سن المراهقة، وإخضاعهن لسلسلة من الاعتداءات مقابل المال أو وعود كاذبة. بعض الشهادات تشير إلى علم أشخاص آخرين بما كان يجري، أو إلى وجود بيئة صمت وتواطؤ سمحت باستمرار الانتهاكات.
الانتقادات طالت إدارة الإفراج نفسها، إذ أكد بعض الضحايا أن أسماءهم ظهرت دون حذف كامل في بعض الوثائق، ما عرّضهم لمخاطر نفسية واجتماعية جديدة. وزارة العدل اعترفت بحدوث “أخطاء محدودة”، لكنها شددت على أن الهدف كان تحقيق توازن بين الشفافية وحماية الخصوصية، وهو تبرير لم يقنع كثيرين، خصوصًا أن القضية تتعلق بضحايا اعتداءات جنسية، يفترض أن تحظى بأقصى درجات الحماية.
سياسيًا، وضعت الوثائق إدارة العدالة الأمريكية تحت ضغط غير مسبوق. مشرعون من الحزبين طالبوا بتحقيق مستقل في كيفية إدارة القضية منذ بدايتها وأسباب التأخير المتكرر في كشف المعلومات. آخرون اعتبروا القضية تجسيدًا لخلل بنيوي في العلاقة بين المال والسلطة، حيث يُعامل أصحاب النفوذ بمعايير مختلفة عن بقية المتهمين.
وفاة إبستين داخل زنزانته عام 2019 تظل العقدة الأكثر حساسية. الوثائق الجديدة لم تقدم دليلًا قاطعًا ينهي الجدل، لكنها أعادت نشر تفاصيل عن الإهمال الأمني، وتعطل الكاميرات، وسلسلة قرارات سمحت بتركه دون رقابة كافية. هذه التفاصيل تمثل رمزًا لضياع فرصة تاريخية لمساءلة شبكة كاملة أمام القضاء.
ورغم كل ما كُشف، يقر محققون وصحفيون استقصائيون بأن الأسئلة الجوهرية لا تزال بلا إجابة. لم تُوضح الوثائق بشكل حاسم كيف موّل إبستين شبكته، وكيف حافظ على تدفق الأموال رغم الملاحقات، ومن كانوا المستفيدين الصامتين من صمته بعد توقيفه. ملايين الصفحات، بدل أن تغلق الملف، كشفت أن القضية أكبر من شخص، وأعمق من فضيحة عابرة.
يرى مختصون في القانون بالولايات المتحدة أن قضية إبستين اليوم تشكل مرآة لفشل جماعي على جميع المستويات: فشل العدالة في حماية الأضعف، وفشل المؤسسات في مواجهة النفوذ، وفشل الشفافية في الوقت المناسب. الإفراج عن ملايين الصفحات قد يلبّي مطلبًا قانونيًا، لكنه لا يعوّض سنوات ضاعت من أعمار الضحايا، ولا يمحو الحقائق المرة التي كشفتها الوثائق، ولا يجيب عن التساؤل الذي ظل يلاحق هذه القضية منذ أكثر من عقد: كيف سُمح لكل هذا أن يحدث، وكيف أخفقت المنظومة في مساءلة من يمتلكون السلطة والنفوذ؟




