أمريكا الشمالية

ضربة دستوريّة لترامب تُشعل حرب التّعريفات وتفتحُ مواجهة جديدة مع القضاء الأمريكيّ

في واحدة من أخطر المواجهات الدستورية بين البيت الأبيض والسلطة القضائية في الولايات المتحدة، وجّهت المحكمة العليا الأمريكية ضربة قوية إلى جوهر السياسة التجارية للرئيس دونالد ترامب، بعدما قضت بأغلبية 6 أعضاء مقابل 3 بأن الرئيس تجاوز صلاحياته عندما فرض رسوماً جمركية واسعة النطاق مستنداً إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الصادر في سبعينيات القرن الماضي.

القرار، الذي وُصف بأنه “نكسة كبرى” للأجندة الاقتصادية لترامب، لم يدفعه إلى التراجع، بل إلى التصعيد. ففي مؤتمر صحفي اتسم بالنبرة الغاضبة والتحدي، أعلن ترامب أنه سيلجأ فوراً إلى صلاحيات قانونية بديلة لفرض تعرفة عالمية بنسبة 10% على الواردات، مؤكداً أن ما جرى “لن يوقفه” عن إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي.

في حيثيات الحكم، كتب رئيس المحكمة جون جي. روبرتس الابن أن القانون الذي استند إليه ترامب، وهو قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية، “لا يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية”، مشيراً إلى أن النص التشريعي لا يذكر الرسوم صراحة، ولا يمكن تفسيره كأداة ضريبية مفتوحة بيد السلطة التنفيذية.

القرار حمل دلالة سياسية وقانونية بالغة: فهو يمثل حالة نادرة تتقاطع فيها أغلبية من القضاة عبر الانقسام الأيديولوجي لوقف مبادرة مركزية للرئيس، بما في ذلك قاضيان كان ترامب نفسه قد عيّنهما.

في المقابل، كتب القاضي بريت كافانو رأياً معارضاً اعتبر فيه أن الرئيس يتمتع بسلطة واسعة في إدارة شؤون التجارة الخارجية، محذراً من أن القرار قد يفتح الباب أمام فوضى قانونية إذا طالبت الشركات باسترداد الرسوم التي دفعتها.

البيت الأبيض يتصدى للحكم القضائي، ويصف القرار بأنه تحدٍ لنفوذ الإدارة الاقتصادية – الصورة لـ رويترز

صدمة مالية تهز حسابات البيت الأبيض

منذ بداية العام الماضي، جمعت الحكومة الفيدرالية أكثر من 200 مليار دولار من العائدات الجمركية. ووفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، كان من المتوقع أن تدرّ رسوم ترامب نحو 3 تريليونات دولار خلال تسع سنوات.

غير أن الحكم القضائي أسقط ما يقرب من نصف تلك الإيرادات المتوقعة، مع تقديرات من مختبر الميزانية في جامعة ييل تشير إلى فجوة مالية قد تصل إلى 1.5 تريليون دولار.

هذا التطور يُربك الحسابات المالية للإدارة، خصوصاً بعد تمرير خفض ضريبي ضخم العام الماضي يُتوقع أن يضيف نحو 4.7 تريليونات دولار إلى الدين العام خلال أقل من عقد.

اقتصادياً، يشير محللون إلى أن التعرفات الجمركية، رغم آثارها التضخمية والارتدادية على المستهلكين، كانت تشكل مورداً مالياً سريعاً وسهل التحصيل مقارنة بالتشريعات الضريبية التي تتطلب موافقة الكونغرس.

ولم ينتظر ترامب طويلاً، ففي أول رد فعل علني، أعلن عزمه توقيع أمر تنفيذي لفرض تعرفة عالمية بنسبة 10% استناداً إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والتي تمنحه سلطة مؤقتة لمدة 150 يوماً.

كما أشار إلى تفعيل المادة 301 لفتح تحقيقات جديدة في “ممارسات تجارية غير عادلة”، في إشارة إلى إمكان فرض رسوم إضافية موجهة ضد دول بعينها.

وقال ترامب: “النتيجة النهائية ستكون أننا سنجني أموالاً أكثر”، معتبراً أن المحكمة لم تلغِ الرسوم الجمركية بحد ذاتها، بل قيّدت أداة واحدة فقط.

تقديرات أولية تشير إلى أن معدل التعرفة الفعلي، والذي كان قد بلغ 16.9% قبل الحكم، قد ينخفض إلى 9.1% إذا لم تُستبدل الرسوم الملغاة، غير أنه قد يرتفع مجدداً إلى نحو 15.4% إذا طُبقت التعرفة العالمية الجديدة بالكامل.

ترامب، غاضباً بعد حكم المحكمة، وصف القضاة بـ”الحمقى وغير الوطنيين”، مؤكداً خجله منهم وتأثرهم بمصالح أجنبية – الصورة لـ فاينينشال تايمز

مواجهة مفتوحة مع المحكمة العليا

المؤتمر الصحفي تحوّل إلى هجوم لاذع على القضاة الذين صوّتوا ضد الإدارة. وصفهم ترامب بـ”غير الوطنيين” و”الحمقى”، وذهب إلى حد القول إنه “خجل منهم”، ملمحاً إلى أنهم تأثروا بـ”مصالح أجنبية” دون تقديم أدلة.

في المقابل، أشاد بالقضاة الثلاثة الذين انحازوا إليه، وعلى رأسهم كافانو، واعتبر أن رأيه المعارض يثبت أن لدى الرئيس صلاحيات أوسع مما تقرّه الأغلبية.

هذا التصعيد اللفظي يسلط الضوء على التوتر المتزايد بين البيت الأبيض والمحكمة العليا، ويطرح تساؤلات حول حدود استقلالية القضاء في ظل إدارة لا تخفي رغبتها في توسيع صلاحياتها التنفيذية.

على الصعيد الخارجي، تبقى الأسئلة معلقة بشأن تأثير التعرفة الجديدة على شركاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم كندا والمكسيك.

حتى اللحظة، لم يتضح ما إذا كانت السلع المتوافقة مع اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (CUSMA) ستُعفى من التعرفة العالمية المقترحة. البيت الأبيض لم يقدم توضيحات حاسمة، مكتفياً بالإشارة إلى أن التفاصيل ستصدر عند توقيع الأمر التنفيذي.

قطاعات السيارات والصلب والألمنيوم، الأكثر حساسية في العلاقة التجارية مع أوتاوا، لا تزال تخضع لرسوم قائمة لم يشملها حكم المحكمة، ما يعني أن التوتر التجاري سيستمر بغض النظر عن الجدل الدستوري.

المحكمة العليا بررت حكمها بأن قانون الطوارئ لا يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية، ولا يمكن تفسيره أداة ضريبية مفتوحة – الصورة لـ رويترز

تداعيات دولية وفوضى قانونية محتملة

لم تكن الرسوم الجمركية مجرد أداة اقتصادية، بل تحولت خلال الأشهر الماضية إلى وسيلة ضغط دبلوماسية استخدمها ترامب لدفع دول إلى تعديل سياساتها.

قرار المحكمة يحدّ من فعالية هذا السلاح، لكنه لا يلغيه. فالرئيس ترامب أكد أن بإمكانه اللجوء إلى أدوات أخرى من الحظر التجاري إلى القيود التنظيمية، ما يمنحه، برأيه، نفوذاً أكبر مما كان متاحاً عبر قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية.

أحد أكثر الملفات حساسية هو مسألة استرداد الرسوم المدفوعة سابقاً. آلاف الشركات بدأت بالفعل بتقديم دعاوى أو طلبات تحسباً لصدور الحكم.

إذا فُتح باب الاسترداد، فقد تواجه الحكومة التزامات مالية بمليارات الدولارات، ما يزيد الضغط على الميزانية الفيدرالية. لكن حتى الآن، لا توجد آلية واضحة لكيفية معالجة هذه المطالبات.

وأنهى ترامب مؤتمره بالقول إن “يقيناً عظيماً عاد إلى الاقتصاد الأميركي والعالمي”، غير أن الأسواق والخبراء يرون الصورة أكثر تعقيداً.

فالقرار يعيد رسم حدود السلطة التنفيذية في السياسة التجارية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً جديداً من عدم اليقين: هل سيصمد بديل ترامب القانوني أمام طعون قضائية جديدة؟ وهل سيتمكن الكونغرس من استعادة دوره التقليدي في تنظيم التجارة؟

من المؤكد أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من التجاذب بين السلطات، تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والدستور.

وبينما يرى مؤيدو الحكم أنه انتصار لمبدأ الفصل بين السلطات، يراه ترامب فرصة لإعادة صياغة أدواته بطريقة “أقوى وأكثر وضوحاً”، كما قال.

ولم تُغلق صفحة الرسوم الجمركية بعد، ما حدث هو انتقال من معركة قانونية حول أداة محددة إلى صراع أوسع حول حدود السلطة الرئاسية في إعادة هندسة الاقتصاد العالمي. والسؤال الآن ليس ما إذا كانت الرسوم ستعود، بل بأي صيغة، وبأي ثمن سياسي واقتصادي.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل