وثائقٌ مُسرّبة تكشفُ تورّط ترامب في فضيحةِ إبستِين السرّية
في تطور جديد يفتح ملفاً ساخناً من ملفات الفساد والتواطؤ داخل أروقة الحكم الأميركي، كشفت تسريبات حصرية حصلت عليها صحيفة وول ستريت جورنال هذا الأسبوع أن اسم الرئيس دونالد ترامب ظهر مجدداً ضمن أرشيف لم يُنشر سابقاً، ويتعلق بالقضية الشهيرة لجيفري إبستين. التسريبات التي تكشف تفاصيل صادمة عن لقاءات سرية، مراسلات خاصة، وتسجيلات لم تُعلن من قبل، تضع إدارة البيت الأبيض ووزارة العدل الأميركية في قلب عاصفة سياسية وقضائية غير مسبوقة.
بحسب المصادر التي اطلعت على هذه الوثائق، فقد تلقى ترامب ووزيرة العدل بامي بوندي، قبل أشهر قليلة، إشعاراً داخلياً بأن هناك محتوى جديداً في ملف إبستين، يشتمل على تسجيلات ومراسلات يعتقد أنها قد تُكشف في أي لحظة، ما دفع إلى تحركات عاجلة على أعلى المستويات لمحاولة احتواء الملف ومنع تسريبه. وتشير الوثائق إلى وجود مراسلات مكتوبة بخط اليد بين إبستين وترامب، بعضها يحمل توقيعاته، وتتضمن إشارات غير واضحة إلى لقاءات خاصة وحفلات شارك فيها الرئيس برفقة شخصيات نافذة وشابات قاصرات.
على الرغم من النفي العلني المتكرر من قبل ترامب حول تورطه بأي مخالفات، إلا أن تصريحات بامي بوندي أمام لجنة الاستخبارات كانت أكثر وضوحاً، إذ أكدت وجود “محتوى بصري عالي الخطورة” تم احتجازه بدوافع تتعلق بـ”الأمن القومي”، وهو ما فتح الباب واسعاً للتكهنات حول كيفية تعاطي البيت الأبيض مع هذا الملف باعتباره تهديداً مباشراً لمؤسسات الحكم.

رد البيت الأبيض جاء سريعاً عبر دعوة مديري كبرى وسائل الإعلام الأميركية إلى جلسة مغلقة قدمت خلالها بوندي ما وصفته بـ”المرحلة الأولى من الإفصاحات”، لكنها لم تحوِ أي مفاجآت كبيرة، ووصفت بأنها محاولة سياسية للسيطرة على رد الفعل الإعلامي قبل تسرب مزيد من التفاصيل. في المقابل، تسربت نسخة غير منقحة من خطاب بين ترامب وإبستين، تضمنت عبارة غامضة: “كما وعدت، كل شيء موثق… وما تبقى مسألة وقت”.
تصاعدت التوترات عندما كشف عدد من أعضاء الكونغرس عن رسائل داخلية من البيت الأبيض تطالب وزارة العدل بعدم التعاون الكامل مع التحقيقات القضائية ذات الصلة، ما اعتبره مشرعون ديمقراطيون محاولة واضحة لعرقلة العدالة. وعلق السيناتور كريس ميرفي قائلاً: “إذا ثبت تورط الرئيس بمحاولة إخفاء أدلة جنسية تخص قاصرين، فهذا يعد انهياراً أخلاقياً غير مسبوق في تاريخ أميركا”.
في مواجهة هذه التهم، حاول ترامب نفي أي علم مسبق بالمحتوى المزعوم، وهاجم وسائل الإعلام، متهماً إياها بـ”تشويه الحقيقة عبر توظيف وثائق مشبوهة”، مؤكداً ثقته بالعدالة الأميركية واستعداده للمساءلة حال ثبوت أي مخالفات ضده. لكن هذه التصريحات لم تُخفِ الشعور بالقلق والتوتر الذي بدا واضحاً في لهجته، وأعادت تأجيج الشكوك حول علاقته الحقيقية بالقضية.
وفي تطور متسارع وسط هذه الأزمة، أعلن الرئيس دونالد ترامب في 18 يوليو 2025 رفع دعوى قضائية ضخمة ضد صحيفة «وول ستريت جورنال»، مطالبًا بتعويضات مالية تتجاوز 20 مليار دولار، متهمًا الصحيفة بـ«نشر أكاذيب وأخبار مزيفة بهدف تشويه سمعته». وجاء في بيان رسمي أن الدعوى تمثل «دفاعًا عن نفسه وعن جميع الأمريكيين الذين يعانون من حملات التضليل الإعلامي». وتعد هذه الخطوة مؤشرًا على حجم التصعيد الذي يشهده الملف، حيث يسعى ترامب من خلالها إلى مقاومة الاتهامات والتشكيك في مصداقية التحقيقات والتسريبات التي تتعلق بعلاقته المثيرة للجدل مع جيفري إبستين.
في سياق متصل، كشفت مصادر أمنية مطلعة عن فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تحقيقاً داخلياً جديداً حول تسرب الوثائق، وسط اتهامات بمشاركة موظفين سابقين في مكتب نيويورك، لهم ارتباطات بمساعدين سابقين لإبستين. وأعادت صحيفة «التلغراف» فتح ملفات أرشيفية لعلاقة ترامب بإبستين، خاصة من فترة أواخر التسعينيات، حيث كانت لقاءاتهما منتظمة في فلوريدا ونيويورك.
ورافق ذلك انتشار صور أرشيفية جديدة تُظهر ترامب في إحدى حفلات إبستين في بالم بيتش، برفقة شخصيات غير محددة، ما زاد من الضغط الإعلامي على الإدارة، رغم غياب أي تأكيد قضائي رسمي على صحة هذه الصور أو ارتباطها بالتحقيقات الجديدة.

بامي بوندي، التي تواجه انتقادات متزايدة، أعلنت أنها ستقدم تقريراً مفصلاً للكونغرس خلال 72 ساعة، لكنها لم توضح ما إذا كانت ستكشف عن “الفيديوهات المحفوظة” التي تحدثت عنها سابقاً، والتي يُعتقد أنها تحمل محتوى بصرياً حساساً للغاية. وفي الوقت ذاته، كشف أحد أعضاء لجنة الرقابة القضائية في الكونغرس أن بعض هذه المواد كانت مخزنة في خزائن مؤسسات أمنية خاصة تابعة لأثرياء مقربين من إبستين.
على الرغم من عدم نفي البيت الأبيض وجود علاقات سابقة بين ترامب وإبستين، إلا أن المحاولات الرسمية لفصل هذه العلاقة عن أي تهم جنائية كانت متكررة، مع تناقض واضح في التصريحات وتضارب في الإفادات الرسمية التي ساهمت في زيادة الغموض. ووصف عدد من المحللين هذه القضية بـ”الواترغيت الجنسي”، في إشارة إلى أن الأمر يتجاوز فضيحة شخصية ليصبح تواطؤاً مؤسسياً يحاول حماية رأس الدولة من المحاسبة.
تتحدث المصادر الصحفية الغربية عن أكثر من 30 تسريباً إضافياً قيد النشر، تتضمن شهادات ضحايا قصّر أفادوا بأنهم شاهدوا “شخصيات سياسية رفيعة” تحضر حفلات إبستين، ومن المتوقع أن تؤدي هذه الشهادات إلى هزات سياسية كبرى خلال الأيام المقبلة.

على صعيد الشارع الأميركي، تصاعدت وتيرة الاحتجاجات في مدن كبرى مثل واشنطن ونيويورك، حيث طالب المتظاهرون بالكشف الكامل عن أرشيف إبستين، مرددين هتافات من قبيل: “لا أحد فوق القانون، حتى الرئيس”. وفي حين سعى ترامب ومحيطه إلى تصوير هذه التحركات باعتبارها جزءًا من حملة منظمة تشنها ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”، بدأت الانقسامات تتعمق داخل الحزب الجمهوري، مع دعوات من شخصيات محافظة بارزة لفتح تحقيق مستقل يُشرف عليه قضاة فدراليون بعيدون عن نفوذ السلطة التنفيذية.
لم يعد ملف إبستين مجرد فضيحة جنسية تخص شخصاً بعينه، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للنظام القضائي الأميركي وقدرته على مساءلة النخبة السياسية حين تُتهم بالجرائم الأخلاقية والجنائية. والعدالة حتى الآن تبدو متعثرة، والشفافية غائبة، والأصوات المطالبة بالمحاسبة في تصاعد مستمر.
ويرتبط مصير هذا الملف بمدى قدرة الصحافة المستقلة والقضاء النزيه والمجتمع المدني على فرض رواية مضادة تحطم جدار الصمت والتواطؤ، لتبقى هذه اللحظة فارقة في تاريخ السياسة الأميركية، وربما نقطة تحوّل حاسمة في مستقبل الديمقراطية الأميركية.




