كنـدا الآن

القوّاتُ المسلّحةُ الكنديّة تكشفُ خطّةَ تعبئةٍ وطنيّة لمواجهةِ تهديداتٍ عسكرِيّةٍ مُحتملة

خطَّةُ تعبِئةٍ غير مسبُوقة ترفعُ الاحتياطيّ إلى 100 ألف جنديّ و300 ألف مُتطوِّعٍ مدنيّ، وسط تحذيراتٍ عسكرِيّةٍ من احتمالِ نزاعٍ مع الصِّين أَو روسيا خلال 2028-2030

في خطوة استثنائية تعكس تحولًا استراتيجيًا في مفاهيم الأمن القومي، أعلنت القوات المسلحة الكندية عن خطة لتعبئة 300 ألف متطوع مدني ضمن قوة احتياطية تكميلية، تهدف إلى تعزيز جاهزية البلاد لمواجهة تهديدات تتراوح بين الكوارث الطبيعية منخفضة الشدة إلى هجمات عسكرية واسعة النطاق.

وكشفت وثيقة غير سرية صادرة عن المجلس الاستراتيجي المشترك، الهيئة الاستشارية لرئيسة الأركان العامة الجنرال جيني كارينيان، أن الخطة تعتمد على إشراك المجتمع بأكمله، من موظفي الحكومة الفيدرالية والإقليمية إلى المواطنين في مختلف القطاعات، لتشكيل قوة مدنية قادرة على الرد على أي تهديد محتمل، سواء أكان طبيعيًا أم من صنع الإنسان.

الجنرال جيني كارينيان، رئيسة هيئة الأركان الكندية، وسط خبراء العلاقات العامة، في وقت يتساءل فيه المراقبون عن طبيعة الاستشارات التي تتلقاها حول السياسة الدفاعية للبلاد – الصورة لـ ذا هيـل تايـمز

خطوة غير مسبوقة لتعزيز الجاهزية الوطنية

الخطة تأتي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، لا سيما روسيا والصين، حيث تشير تحليلات خبراء الأمن إلى أن كندا بحاجة إلى استعداد استباقي لمواجهة أي سيناريو محتمل.

ووفق معلومات أوردتها صحيفة أوتاوا سيتيزن، سيعتمد الجيش الكندي على الموظفين العموميين الفيدراليين والإقليميين للتطوع في الخدمة العسكرية، وسيخضع هؤلاء لتدريب أسبوعي قصير يشمل مهارات أساسية مثل الرماية، التنقل، قيادة الشاحنات، تشغيل الطائرات بدون طيار، والتواصل. وسيتم ضمهم إلى القوة الاحتياطية التكميلية، التي تضم حاليًا نحو 4,384 فردًا من العسكريين المتقاعدين أو غير النشطين، على أن يرتفع العدد إلى 300,000 متطوع في حال الطوارئ، مع معايير أقل صرامة مقارنة بالقوات النظامية، دون زي رسمي، مع توفير التغطية الطبية أثناء الخدمة، دون احتساب الوقت ضمن التقاعد العسكري.

صرح وزير الدفاع ديفيد ماكجنتي بأن وجود قوة مدنية من الكنديين المستعدين والمدربين يعكس قدرة المجتمع على المشاركة الفعالة في الدفاع الوطني، مستشهدًا بتجارب فنلندا والسويد في الدفاع الشامل. من جهتها، شددت رئيسة الأركان جيني كارينيان على أن الهدف يتجاوز مجرد زيادة الأعداد، ليعكس جاهزية وطنية شاملة.

وزير الدفاع ديفيد ماكجنتي يؤدي اليمين لتسلم حقيبته الوزارية الجديدة في 13 مايو الماضي، وسط متابعة وسائل الإعلام الوطنية – الصورة لـ ذا هيـل تايـمز

دوافع استراتيجية وتحركات دولية

الخطوة تأتي استجابة لتحولات جيوسياسية واضحة، مع تهديدات متزايدة من روسيا والصين.

وأشار العميد الركن بريندان كوك، مدير تطوير القوة الجوية والفضائية، إلى أن كندا تحتاج لإعادة تسليح نفسها لمواجهة احتمال حرب مع هذه الدول بين 2028 و2030، مؤكدًا أن التعبئة المدنية ليست استعدادًا روتينيًا، بل خطوة استباقية لمواجهة تهديدات استراتيجية محتملة.

وتعكس الخطة أيضًا اعتماد كندا على خبرات الدول الأوروبية، ولا سيما فنلندا، التي تعتمد نظام التجنيد الإلزامي للرجال مع إمكانية التطوع للنساء، لضمان دمج المواطنين في منظومة الدفاع بعد الخدمة النظامية.

وفي يونيو 2025، تم تشكيل “فريق النمر” لإعداد خطة التعبئة الوطنية، حيث يعمل على دراسة التعديلات التشريعية المطلوبة لدعم زيادة عدد المتطوعين المدنيين، والتنسيق مع وزارات وهيئات الحكومة، بما في ذلك مكتب المجلس الملكي، لضمان إشراك المجتمع بأكمله، والتشاور مع حلفاء كندا للاستفادة من تجاربهم في الدفاع الشامل.

وأكدت وزارة الدفاع أن المشاركة في القوة الاحتياطية الموسعة طوعية، وأن الوقت المخصص للتدريب السنوي لن يُحسب ضمن التقاعد العسكري، رغم توفير التغطية الطبية أثناء الخدمة.

العميد الركن بريندان كوك، المدير العام للقوات الجوية الملكية الكندية لشؤون الفضاء والقتال والدعم، يحذّر من أن كندا مُطالَبة بالاستعداد لحرب محتملة خِلال 2028-2030، فالجاهزية الوطنية لم تعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على السيادة، وذلك خلال كلمته في مؤتمر “آفاق كندا الفضائية 2025” – الصورة لـ موقع سبايس كيو

سيناريوهات وتحديات محتملة

وعلى الرغم من الطموح الكبير، تواجه خطة التعبئة المدنية تحديات متعددة، أبرزها الاعتماد على متطوعين محدودي التدريب، قصر مدة التدريب السنوي مقارنة بمتطلبات العمليات الفعلية، نقص القوى النظامية المتخصصة، والحاجة لتعديلات تشريعية وإدارية لضمان التنفيذ الفعال. كشف تقرير المفتش العام كارن هوغان عن صعوبة القوات المسلحة في جذب الأفراد المؤهلين، مشيرًا إلى أن الجيش لم يتمكن من تلبية احتياجاته التشغيلية، خصوصًا في وظائف حيوية مثل الطيارين وفنيي الذخيرة.

وفي ظل هذه المعطيات، تتراوح النتائج المحتملة بين نجاح كامل يعزز جاهزية كندا ويجعل كل مشاركة مدنية جزءًا مباشرًا من منظومة الدفاع، ونجاح جزئي محدود قد يضعف الاستجابة للأزمات الكبرى ويؤثر على السياسة الداخلية وعلاقة الحكومة بالمواطنين، ما يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع على العمل معًا في مواجهة التهديدات متعددة الأبعاد.

الهدف النهائي من هذه المبادرة هو دمج الاستراتيجية العسكرية مع المشاركة المدنية، وتحويل كل كندي إلى عنصر فاعل في منظومة الدفاع.وفق خبراء عسكريين، أصبحت الجاهزية الوطنية مسؤولية جماعية تشمل جميع شرائح المجتمع، من الموظفين العموميين إلى العاملين في المصانع والورش، لتأكيد أن الدفاع لم يعد مهمة الجيش وحده، بل مشروعًا وطنيًا شاملًا يشارك فيه كل كندي وفق مهنته وخبراته.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل