وفاتان أثناء التبرّع بالبلازما تهزّان وينيبيغ وتُثيران قلق المجتمع الكنديّ
شهدت وينيبيغ وكندا موجة من القلق المجتمعي بعد وفاة شخصين أثناء التبرع بالبلازما في مرافق خاصة تابعة لشركة الرعاية الصحية الإسبانية “غريفولس”، التي تدير عدة مراكز للتبرع الربحي في البلاد. ورغم ندرة هذه الحوادث وفق الخبراء، فإنها سلطت الضوء على هشاشة الثقة المجتمعية في نظام إدارة الدم والبلازما، وأثارت تساؤلات حول مدى أمان الاعتماد على الشركات الخاصة في قطاع حساس وحيوي.
وأكدت هيئة الصحة الكندية تلقيها تقارير عن “ردود فعل سلبية قاتلة” بعد التبرع في أكتوبر 2025 ويناير 2026، موضحة أن التحقيقات لا تزال جارية، فيما لم يثبت بعد وجود رابط مباشر بين التبرع والوفيات، بحسب ما نقلته صحيفة الغارديان.
سلامة المتبرعين والمجتمع تحت المراجعة
أوضح وزير الصحة في مانيتوبا، أوزوما أساجوارا، أن المقاطعة تدرس فرض حظر على التبرع بالبلازما مقابل أجر، قائلاً: “نحتفظ بجميع الخيارات على الطاولة. نريد أن نضع السلامة العامة في المقام الأول”. وأضاف أن القرار النهائي سيصدر بعد اكتمال التحقيقات لضمان عدم تعرض حياة المتبرعين لأي مخاطر، وفق صحيفة وينيبغ فري برس.
وأشارت الخدمة الكندية للدم إلى أنها “عميقة الحزن” لهذه الوفيات، مؤكدة التزام مراكزها بأعلى معايير السلامة لحماية المتبرعين والمرضى. كما أوضحت هيئة الصحة الكندية أنها أجرت زيارات فورية للمراكز بعد كل حادثة لضمان التزامها بالإجراءات التشغيلية المعيارية.

إلا أن تقارير التفتيش الفيدرالية كشفت عن قصور في مرافق غريفولس، شملت تقييم المتبرعين بدقة غير كافية، وصيانة ناقصة للمعدات، وسجلات غير مكتملة. وأوضحت التقارير أن إحدى المراكز في ساسكاتشوان لم تمتثل بالكامل للقوانين الفيدرالية، بينما تم تسجيل عشر مخالفات في مركز آخر في ألبرتا. وبدورها، أكدت غريفولس تقديم خطط عمل مفصلة والبدء الفوري بتنفيذها لمعالجة هذه القضايا ومنع تكرارها.
وأشار كورتيس برانديل، ناشط في مجال سلامة الدم، إلى أن هذه الوفيات تعيد للأذهان فضيحة الدم الملوث في الثمانينيات والتسعينيات، موضحًا: “الوفيات المأساوية كانت ناقوس خطر. لقد وعدنا مسؤولو الخدمة الكندية للدم بحماية صارمة للمتبرعين، لكن الواقع اليوم يكشف فجوة في الشفافية والمسؤولية”.

البعد المجتمعي والدافع المالي
يعتمد العديد من سكان مانيتوبا اقتصاديًا على التبرع بالبلازما كمصدر دخل أساسي. ففي مركز شارع تايلور للتبرع بالبلازما – غريفولس، يحصل المتبرعون على 100 دولار للجلسات الثلاث الأولى، و60–70 دولارًا للجلسات التالية، مع مكافآت إضافية لكل عشر تبرعات خلال ستة أسابيع.
قال جيف، 51 عامًا: “لن أقول إن حظر التبرع فكرة جيدة، لأن هذا يؤثر على كثير من الناس. هذا مصدر دخل أساسي في الأوقات الصعبة”، موضحًا أنه يقود سيارته من ستاينباخ مرتين أسبوعيًا للتبرع ليكسب حوالي 140 دولارًا أسبوعيًا لدعم أسرته وسداد قرض سيارته.
وفي المقابل، أعرب بعض المتبرعين عن مخاوفهم الصحية. وصرح نواه شولز، المدير التنفيذي لـ ائتلاف صحة مانيتوبا: “إدخال الدافع الربحي في قطاع الرعاية الصحية لم ينتهِ أبدًا بشكل جيد للمرضى”، مضيفًا أن التحقيق يضع هيئة الصحة الكندية في تضارب مصالح لأنها تمنح التراخيص لمراكز غريفولس في جميع أنحاء البلاد.
وتبرز قضية إنسانية مأساوية في وفاة الشابة رودييات ألابيدي، 22 عامًا، طالبة دولية في جامعة وينيبيغ، التي كانت تطمح لأن تصبح أخصائية اجتماعية. وصفها أصدقاؤها على حملة التبرعات بأنها “لطيفة، متفانية، مخلصة لدينها، ومكرسة لحلمها في مساعدة الآخرين”. وقد تركت وفاتها أثرًا عميقًا في المجتمع، مؤكدة الحاجة الملحة لحماية المتبرعين وتعزيز الثقة العامة في نظام التبرع بالبلازما.

أهمية البلازما والحاجة إلى الرقابة
البلازما، السائل الأصفر في الدم، ضرورية لإنتاج أدوية لعلاج حالات مثل الهيموفيليا، أمراض المناعة الذاتية، وحروق الجلد الشديدة. ومع ذلك، أثار اعتماد كندا على الشركات الخاصة مثل غريفولس جدلاً واسعًا، إذ تمنع بعض المقاطعات التبرع المالي، بينما تسمح مقاطعة أونتاريو للشركة بالعمل مع الخدمة الكندية للدم.
وأكد برانديل: “الوفاة المأساوية للمتبرعين كانت إنذارًا للمجتمع. أي تدخل ربحي في الرعاية الصحية يجب أن يكون تحت إشراف صارم لضمان عدم المساس بسلامة المتبرعين”.
وكشف التدقيق الفيدرالي الأخير أن مرافق غريفولس في ريجينا لم تلتزم بالمعايير الفيدرالية، فيما تم تسجيل عدد كبير من حالات عدم الامتثال منذ 2016، لتشكل نصف جميع حالات التفتيش على الدم في كندا. وأكد أحد مفتشي هيئة الصحة الكندية أن هذه التقارير “مقلقة للغاية” وتظهر ثغرات في إدارة المرافق.
وردت غريفولس رسميًا بأن مرافقها تعمل “وفق إجراءات تشغيلية صارمة على أعلى مستوى”، وأن كل متبرع يخضع لتقييم صحي شامل وفحص بدني قبل التبرع، مع الالتزام بمعايير السلامة والامتثال للتعليمات الفيدرالية.
التوازن بين الصحة والمجتمع
تعكس حادثتا الوفاة في مرافق التبرع بالبلازما في وينيبيغ هشاشة التوازن بين الاحتياجات الطبية، السلامة العامة، والدوافع الاقتصادية. غير أن المجتمع الكندي أصبح أكثر وعيًا بأهمية الشفافية والمساءلة والمراقبة الصارمة في قطاع صحي حساس، إذ أن التبرع بالبلازما لم يعد مجرد مسألة طبية، بل أصبح قضية مجتمعية مباشرة تؤثر على حياة آلاف المواطنين الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر دخل رئيسي.
وتظل القضية الأهم هي حماية المتبرعين وضمان الثقة العامة، إذ أن أي قرار تنظيمي يجب أن يحافظ على سلامة الأفراد ويوازن بين الحاجة إلى البلازما للأغراض الطبية وحقوق المتبرعين والاقتصاد الشخصي للمتأثرين.




