أمريكا الشمالية

الولايـاتُ المنقسمة: هل تقفُ أمريـكا على شفا حربٍ أهليّة؟

تعيش الولايات المتحدة الأميركية اليوم على وقع انقسامات باتت تشكل خطورة قصوى، حيث تتصادم السياسة بالعرق، والاقتصاد بالهوية، ويزداد الاستقطاب بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى مستويات تهدد وحدة المجتمع الأميركي برمته. بين جدل محتدم حول الهجرة والعرق، وتصاعد العنف السياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات، يبدو أن البلاد تقف عند مفترق طرق حاسم قد يغير وجه الديمقراطية الأميركية كما عرفها العالم لعقود.

هذا الانقسام ليس خلافًا سياسيًا فحسب، بل هو أزمة هوية تتسلل إلى صميم المجتمع الأميركي، وتطرح تساؤلات وجودية عن مستقبل الديمقراطية وقدرة واشنطن على الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى. ومع انتشار الخطابات المتطرفة وصعود الميليشيات المسلحة، تتزايد المخاوف من أن تتحول الانقسامات العميقة إلى صراع داخلي يهدد استقرار الدولة ومكانتها الدولية.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يراقب العالم كل خطوة في واشنطن، إذ ما يحدث في قلب أميركا لا يقتصر أثره على الداخل فحسب، بل يمتد ليعيد تشكيل صورة القوة العظمى الأولى في النظام الدولي بأسره.

الانقسامات في المجتمع الأميركي وصلت إلى مستويات قياسية، حيث الاستقطاب السياسي والاجتماعي يعيق أي تعاون بين الأطراف ويغذي دائرة العداء. تقلّب الناخبين أصبح نادرًا، والثقة بين الجماعات تآكلت، ما يجعل الحوار العقلاني صعبًا ويزيد احتمالات تصاعد الصراعات الداخلية – الصورة لـ آسبينيا أونلاين

تصاعد الكراهية والانقسام العرقي

في عهد دونالد ترامب، اشتد الخطاب العنصري والانقسامي في الولايات المتحدة. وبحسب تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ارتفعت جرائم الكراهية بأكثر من 35% منذ عام 2016، معظمها ضد السود واللاتينيين والآسيويين. وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق الانقسام، حيث يعيش كل معسكر سياسي داخل “فقاعة إعلامية” خاصة، يستهلك فيها فقط ما يؤكد قناعاته ويعارض الطرف الآخر.

وقال الباحث في الشؤون الدولية سمير الدسوقي لمنصة “هنا كندا” إن الولايات المتحدة اليوم ليست مهددة بالتفكك الجغرافي، لكنها مهددة بالتفكك السياسي والفكري. فأزمة الهوية الأميركية تضعف قدرتها على التماسك كدولة-أمة، وهي نتيجة مباشرة لعقود من التفاوت الاجتماعي والتوظيف السياسي للعرق والدين في الخطاب العام.

وأشار الدسوقي إلى أن ما يجري في أميركا يشبه “مرحلة الانهاك الداخلي” التي تمر بها القوى الكبرى قبل إعادة إنتاج نفسها أو تراجعها، مضيفًا أن الانقسام الداخلي الأميركي سينعكس على قدرتها على إدارة الملفات الدولية، خاصة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

المسألة ليست فقط انقسامًا سياسيًا، بل هي نتيجة أزمة في توزيع الثروة. فالاقتصاد الأميركي لم يعد يولد شعورًا بالعدالة الاجتماعية، وهو ما يغذي الغضب الشعبي ضد النخب في واشنطن ووول ستريت.

ويرى الدسوقي أن الطبقة الوسطى الأميركية تتآكل، وأن الاستقطاب الاقتصادي يغذي الانقسام الأيديولوجي، تمامًا كما حدث في المراحل التي سبقت الانهيارات الاقتصادية في دول كبرى عبر التاريخ.

نشطاء حقوق حمل السلاح في كنتاكي يجسدون القوة المتزايدة للميليشيات المحلية واليمين المسلح في الولايات المتحدة، حيث يتحول الدفاع عن التعديل الثاني إلى مظاهر علنية من الأسلحة شبه الآلية والمظاهرات داخل مباني الدولة، مما يعكس عمق الانقسامات السياسية والاجتماعية في البلاد – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر ايفري تاون ريسارش

الميليشيات المسلحة… الجيش الموازي!

تقدر وزارة الأمن الداخلي الأميركية وجود أكثر من 500 ميليشيا مسلحة تنشط في الولايات المتحدة، أغلبها تنتمي إلى اليمين المتطرف، مثل جماعتي “براود بويز”و”أوث كيبرز”، اللتين شاركتا في اقتحام الكونغرس في 6 يناير 2021.
هذه الجماعات لم تعد ظواهر هامشية، بل تمتلك أسلحة متطورة وتدريبات شبه عسكرية، وبعض أعضائها خدموا سابقًا في الجيش أو الشرطة.

الولايات المتحدة تواجه اليوم تهديدًا داخليًا غير مسبوق. الميليشيات المسلحة ترى نفسها جيشًا وطنيًا بديلاً، وتحظى بتعاطف داخل بعض الولايات.
وتشير تقارير مركز “ساذرن بوفرتي” للقانون، إلى أن عدد الجماعات المتطرفة ارتفع بنسبة 33% خلال خمس سنوات، وتتمركز هذه التنظيمات في ولايات الجنوب والغرب الأوسط، حيث تنتشر ثقافة السلاح وتضعف الثقة بالحكومة الفدرالية.

وفي السياق ذاته، أكد الأكاديمي خالد المكاوي لمـوقع “هنـا كنـدا” أن تنامي الميليشيات في الولايات المتحدة يشير إلى فقدان الدولة احتكارها التقليدي لاستخدام القوة، وهي الحالة نفسها التي تسبق عادة اضطرابات عميقة في الدول النامية.
والمفارقة أن ما كانت واشنطن تنتقده في بلدان أخرى بدأ يظهر داخلها بشكل منظم ومحمى قانونيًا تحت شعار الحرية الفردية وحق حمل السلاح.

ويضيف المكاوي أن هذه الظاهرة “تعكس أزمة هوية عميقة؛ إذ لم تعد الوطنية الأميركية موحدة كما كانت، بل أصبحت منقسمة إلى روايتين: رواية الدولة الفدرالية، ورواية الجماعات التي ترى نفسها الحامي الحقيقي للقيم الدستورية”. ويرى أن الميليشيات الأميركية تمثل “مؤشر الانزلاق الصامت نحو دولة منقسمة على ذاتها”، فحين تتحول فكرة الحرية إلى مبرر لحمل السلاح ضد المؤسسات، يتجاوز المجتمع بذلك الخط الفاصل بين المعارضة والنزاع الأهلي. وما يحدث اليوم في الولايات المتحدة يعد بداية تفكك في العقد الاجتماعي الذي قام عليه الاتحاد الأميركي منذ القرن التاسع عشر.

ويتابع المكاوي أن أخطر ما في الظاهرة ليس السلاح بحد ذاته، بل “شرعنة العنف في الوعي الجمعي، وتحويل الخلاف السياسي إلى قضية إيمانية أو دينية، وهي الخطوة الأولى نحو التطرف الداخلي”.

أزمة الثقة في الديمقراطية والمؤسسات

في بلد يقدم نفسه منذ عقود باعتباره حارس الديمقراطية في العالم، تتآكل الثقة الداخلية بوتيرة مقلقة. فقد كشف استطلاع حديث لمؤسسة غالوب أن نحو 70% من الجمهوريين لا يثقون في نتائج انتخابات عام 2020، معتبرين أن النظام الانتخابي “تم التلاعب به”، فيما يرى 40% من الأميركيين أن القضاء “منحاز سياسيًا”، ويعتقد 55% أن وسائل الإعلام أصبحت “طرفًا في الصراع السياسي” بدل أن تكون سلطة رقابية مستقلة.

ولا تقتصر الأزمة على المواطنين العاديين فحسب، بل تمتد إلى النخب السياسية والمؤسسات الدستورية نفسها؛ إذ يبدو الكونغرس شبه مشلول نتيجة الانقسام الحاد بين الحزبين، بينما تعرقل الخلافات الداخلية عمل الحكومة وتزيد من هشاشة التوافق الوطني.
أما المحكمة العليا، فقد تحولت إلى ساحة صراع أيديولوجي بعد سلسلة قرارات مثيرة للجدل حول قضايا مثل الإجهاض وحقوق الأقليات، ما زاد من حدة الشكوك في حيادها واستقلالها.

وهكذا، تبدو الديمقراطية الأميركية أمام اختبار وجودي حقيقي: فبين تراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد الاستقطاب الاجتماعي والسياسي، وانقسام النخب، يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت واشنطن لا تزال تملك القدرة على تصدير نموذجها الديمقراطي إلى العالم، وهي تكافح للحفاظ عليه في الداخل.

وفي إفـادة لـ “هنــا كنــدا”، قال الصحافي طلحة طه إن انقسامات الأحزاب السياسية والتسييس المتزايد للقضاء والإعلام يضعفان بشكل مباشر مصداقية المؤسسات، ويزيدان من الانقسامات الاجتماعية. وأضاف أن إصلاح النظام الانتخابي وتعزيز الشفافية والمساءلة أمران أساسيان لإعادة بناء الثقة في الديمقراطية.

ويشدد الدكتور مسعود على أن إعادة الثقة بالمؤسسات تتطلب إصلاحات ملموسة تشمل الشفافية في الانتخابات، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان التوازن الإعلامي، وإشراك جميع الفئات المجتمعية في العملية الديمقراطية.

ويضيف طه أن تعزيز المشاركة المدنية والحوار بين مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية أمر ضروري للحفاظ على استقرار الديمقراطية الأميركية، مشددًا على أنه بدون مشاركة فاعلة ووعي شعبي، ستظل الأزمة العميقة مستمرة. ويرى طه أن الحل لا يقتصر على إصلاح المؤسسات فحسب، بل يشمل أيضًا تعزيز الثقافة الديمقراطية عبر برامج توعية ومشاركة مجتمعية، بما في ذلك دمج المجتمعات المهاجرة، مثل العرب الأميركيين، في النقاش السياسي لضمان تمثيلها الفعّال في الحوار الوطني.

تشير سلسلة تقارير الطريق إلى 2024 لمختبر أبحاث الاستقطاب إلى أن الانقسامات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري قائمة على تصورات خاطئة، حيث يبالغ كل طرف في تقدير دعم الآخر للعنف السياسي. هذه الانطباعات المشوهة تمنع الحوار وتزيد صعوبة التعاون، ما يهدد وحدة المجتمع واستقرار الديمقراطية الأميركية داخليًا وخارجيًا – الصورة لـ آي ستــوك عبر بين توداي

الانعكاسات الخارجية: صورة القوة العظمى تتصدع

تصاعد الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة لا يقتصر تأثيره على الداخل فحسب، بل يمتد إلى صورة أميركا عالميًا وقدرتها على قيادة النظام الدولي.
فالولايات المتحدة، التي لطالما اعتبرت نفسها حارسًا للنظام العالمي والقيم الديمقراطية، تواجه اليوم أزمة مصداقية خارجية.

ويشير سمير الدسوقي إلى أن “الضعف الداخلي الأميركي سينعكس على ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث قد تقل قدرة واشنطن على التدخل الدبلوماسي أو العسكري بفعالية”. كما يلاحظ أن الحلفاء التقليديين في أوروبا والشرق الأوسط بدأوا يراجعون استراتيجياتهم بناءً على توقعات عدم الاستقرار الداخلي الأميركي، ما يفتح المجال لفاعلين إقليميين آخرين لتعزيز نفوذهم.

ومن جهة أخرى، يرى خالد المكاوي أن انقسامات الداخل الأميركي قد تُستغل من قبل خصوم واشنطن الدوليين لابتزازها أو لإضعاف موقفها في المفاوضات الدولية، مثل الصين وروسيا اللتين تراقبان المشهد الأميركي بدقة شديدة.
ويضيف أن هذه الأزمة الداخلية تجعل من الصعب على الولايات المتحدة فرض نموذجها الديمقراطي أو إدارة أزمات عالمية تتطلب وحدة وطنية واستقرارًا سياسيًا داخليًا.

الولايات المتحدة في مواجهة تحديات وجودية

تواجه الولايات المتحدة الأميركية اليوم أزمة متعددة الأبعاد: تصاعد الانقسام السياسي والعرقي، وضعف الثقة بالمؤسسات، وانتشار الميليشيات المسلحة، وتآكل العدالة الاجتماعية، وهذه العوامل تجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل الديمقراطية الأميركية، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول احتمال وقوع صراع داخلي.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن النظر إلى الأزمة من منظور داخلي فقط، فضعف الداخل الأميركي ينعكس على صورة القوة العظمى ومكانتها الدولية، ويؤثر على قدرتها في إدارة الأزمات العالمية، من الشرق الأوسط إلى إفريقيا والقرن الإفريقي.

وبين الإصلاحات المؤسسية والمشاركة المدنية، وبين المجتمع العربي الأميركي كمكون فعال في الحوار الوطني، تبرز الحاجة إلى قيادة حكيمة وثقافة مدنية قوية لمنع الانقسام من التحول إلى نزاع مسلح داخلي في الولايات المتحدة.

وإذا نجحت أميركا في تجاوز هذه الأزمة، فقد تعيد إنتاج نفسها كدولة قادرة على توحيد مجتمعها والحفاظ على مكانتها العالمية، أما إذا فشلت، فقد يشهد القرن الحادي والعشرون بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي لأقوى دولة في العالم.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل